Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

وبعديـــــن

A A
بالرغم من بساطة العنوان، فإنَّه يحمل معاني كثيرة في عالم التوقُّعات، علمًا أنَّ بعضها قد يكون أغرب من الخيال. وموضوع السَّاعة هو الحرب الإيرانيَّة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة، ومن المؤكَّد أنَّ خططها وُضعت عبر سنوات من الإستراتيجيَّات. ولكن، يا ترى، هل وضعت الجهات المعنيَّة خططًا لمرحلة ما بعد الحرب؟ وتشير التجارب العالميَّة إلى أنَّ العالم، بعد الصراعات الكُبرى المختلفة، شهد في كثير من الأحيان فترات إيجابيَّة يصعب شرحها. انظر إلى فترة إعادة بناء أوروبا واليابان بعد الحرب العالميَّة الثانية، وإعادة تعمير كوريا بعد الصِّراع الدمويِّ بين الجنوب والشمال الذي بدأ عام 1950. وانظر أيضًا إلى وضع فيتنام الإيجابيِّ بعد حربها العنيفة مع فرنسا، ثمَّ الولايات المتحدة، بدءًا من الخمسينيَّات. وهناك المزيد؛ فانظر إلى المتناقضات في فترات الحكم المشبعة بالبطش والفساد، التي ولَّدت الرَّخاء والازدهار الفكري. في القرن الخامس عشر، تفوق الإسباني «رودريجو بوريا» في دراسات القانون واللاهوت، وتمَّ تعيينه في مراكز رفيعة في سلَّم الكنيسة الكاثوليكيَّة، وتميَّز في عمله، وغيَّر اسمه؛ ليصبح «بورجيا»، «يعني يعني»، أنَّه من صميم الطليان الأصيلِين. واستمرَّ في نجاحاته وصعوده إلى أنْ تمَّ انتخابه في منصب البابا؛ ليخلف عمَّه «ألفونسو بوريا»، وغيَّر اسمه؛ ليصبح البابا ألكسندر السادس عام 1492. وكان عنده سبعة أطفال، بالرغم من أنَّه لم يتزوج التزامًا بمتطلَّبات الكنيسة. واشتهر هذا البابا بممارسة الواسطة في أقوى أدوارها، فتم تعيين أبنائه غير الشرعيِّين وأقاربه في مراكز القوَّة، وكانت فترة توليه وأقاربه للمناصب العُليا فترة عصيبة، مشبعة بالاغتيالات، والفساد بأطيافه المختلفة. ومن الغرائب أنَّ فترة حكم عائلة بورجيا، بكلِّ ما فيها من فساد ومحسوبيَّة، أنتجت بعضًا من أهم إنجازات الحضارة، ومنها أعمال العمالقة أمثال «ليوناردو دا فينشي» و»مايكل أنجلو»، وبعض من أهم ركائز فترة النهضة بأكملها. وكانت أحد أهم التحوُّلات الحضاريَّة في أوروبا؛ للانتقال من فترة الظلمات، التي كان يسودها الجهلُ والسحرُ والشعوذةُ والقمعُ، إلى فترة انتشار العلوم، والتقنية، وحقوق الإنسان.
ولكن هناك ما هو أغرب ممَّا جاء أعلاه، ففي القرن الثاني الهجريِّ نشأت الخلافة العباسيَّة في الكوفة، ثمَّ بغداد. وكانت بدايتها دمويَّة؛ إخوة يتقاتلُون في نزاعات دمويَّة، وأم تقتل ابنها، وعائلات تنتهزُ قوَّة السُّلطة لمصلحتها الخاصَّة، وأفكار فلسفيَّة غريبة تميل إلى الكفر، وأكثر. وبالرغم من كل ذلك، تمَّ تأسيس بيت الحكمة في بغداد؛ ليصبح منارةً عالميَّةً للعلوم والتقنية... أنتجُوا للعالم الحسن بن الهيثم؛ لينير الفيزياء، وجابر بن حيان؛ ليغيِّر عالم الكيمياء، وابن سينا؛ ليطوِّر عالم الطب، والرَّازي؛ ليبدع في عالم الجراحة، والخوارزمي؛ ليؤسِّس علم الجبر، والكندي؛ ليضيء عالم الفلسفة والرياضيَّات، والجزري؛ ليبهر العالم بأُسس الهندسة الميكانيكيَّة المذهلة، وغيرهم من عمالقة علماء العالم المسلمين في بيت الحكمة في بغداد، ودار الحكمة في القاهرة، ودار العلم في الأندلس، وخزانة الحكمة في خوارزم.
أمنيــــــــة
من الصَّعب أنْ نجد شروحًا لهذا التناقض بين بيئة الصراعات الدمويَّة، والفساد من جانب، وبين التطوُّرات العلميَّة والإنسانيَّة من جانب آخر. أتمنَّى أنْ نشهد تحوُّلات إيجابيَّة في تاريخ العالم، بعد صراعات عصرنا المُحزنة. قريبًا جدًّا -بإذن الله-، وهو من وراءِ القَصدِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store