في مساء دافئ من مساءات العائلة، جاءني حفيدي، وفي عينيه سؤال يلمع مثل مصباح صغير. قال: هل تعلمين كم بلغت أسعار تذاكر كأس العالم؟
لم أتوقف عند الرقم، بل عند ذلك السرّ العجيب! كيف استطاعت قطعة من جلد منفوخ أن تجعل الأرض كلّها تهتز، وأن تصنع من الملاعب مدنًا للدهشة، ومن المدرجات بحارًا من الوجوه والقلوب؟
قلت له: يا صغيري، كأس العالم ليس كرة تركض بين أقدام، بل حكاية الإنسان حين يبحث عن فرح لا يعرف الحدود.
الناس لا يشترون مقعدا في ملعب فقط، إنهم يشترون لحظة ينسون فيها تعب الأيام، ويدفعون ثمن الصرخة التي تخرج من القلب قبل الحنجرة، وثمن الدمعة التي تسقط حين يدخل الهدف، وكأنه وعدٌ قديم عاد أخيرًا.
تلك الكرة الصغيرة يا حفيدي، ليست جلدا وخيطا وهواء فحسب؛ إنها حلم دائري، كلما ركلوه عاد أكبر، وكلما طاردوه صار أقرب!
قامت حولها مدن، وسافرت من أجلها شعوب، وارتفعت أعلام، وبكى رجال، ورقص أطفال. قد لا يعرفون أسماء اللاعبين، لكنهم يعرفون معنى الفرح.
لذلك لا تسألني عن ثمن التذكرة وحده، اسألني عن ثمن الحلم حين يُباع على هيئة مقعد، وعن سر العالم حين يجتمع حول ساحرة مستديرة لا تتكلم، لكنها تجعل كل لغات الأرض تهتف بصوت واحد.
كأس العالم ليس مباراة؛ إنه الأرض حين تخلع حزنها قليلا، وتركض خلف فرح لا ينضب.


