Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية

A A
لا أتردد دومًا في وصف الدبلوماسية العامة بأنها أكثر التخصصات جاذبية وإثارة للاهتمام في حقل العلاقات الدولية، ليس لأنها أحدث تلك التخصصات أو أكثرها حضوراً في النقاشات المعاصرة، بل لأنها التخصص الوحيد الذي يتيح لممارسها العيش في الوقت نفسه في عدة عوالم متداخلة؛ مليئة بالتشويق والإمتاع.
فعلى خلاف معظم التخصصات التي يمكن تحديد موضوعها وأدواتها بدقة وصرامة، فإن الدبلوماسية العامة تنتمي إلى فئة مختلفة من العلوم البينية، لا تقوم على مجال واحد بل على مجموعة من المجالات.. فالثقافة والإعلام والتعليم والرياضة والسياحة والتقنية ليست مكونات منفصلة في هذا السياق، بل أدوات متكاملة ومتشابكة تسهم في تشكيل صورة الدولة، وتعزيز قدرتها على التواصل والتأثير، وكسب التأييد في البيئات الدولية.
ومن هنا تنبع جاذبية هذا التخصص، فالممارس للدبلوماسية العامة لا يتعامل يومياً مع الملفات نفسها أو الأدوات ذاتها، حيث قد يناقش صباحا أثر استضافة بطولة رياضية دولية أو مناسبة دينية على الصورة الدولية، ثم ينتقل بعد ساعات إلى تحليل حملة إعلامية، أو تقييم برنامج للتبادل الثقافي، أو دراسة دور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات وشبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الانطباعات الدولية. وهذا التنوع المعرفي والمهني يمنح الدبلوماسية العامة حيوية استثنائية تجعلها بعيدة عن الروتين والرتابة؛ التي قد تصاحب بعض التخصصات الأخرى.
بيد أن هناك وجهاً آخر لهذه الجاذبية لا ينبغي إغفاله، يتمثل في الصعوبة البالغة التي تُميِّز هذا المجال. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ضرورة امتلاك الممارس لقدرٍ مناسب من المعرفة في كل مجال من هذه المجالات، وإنما أيضا في القدرة على فهم وتحديد الروابط التي تجمع بينها.. فالدبلوماسية العامة ليست الإعلام، وليست الثقافة، وليست الرياضة، وليست التعليم أو السياحة، لكنها مزيج مترابط من كل ذلك في الوقت نفسه. ولهذا فإن النجاح في ممارستها يتطلب مهارة وعقلاً قادراً على الربط بذكاء بين تخصصات متعددة؛ أكثر من حاجته إلى التعمق في تخصص واحد وتوظيفه بشكل مستقل.
ولعل هذا ما يفسر أن كثيراً من المبادرات التي تبدو ناجحة في ظاهرها، لا تحقق أحيانا الأثر المتوقع، ففعالية ثقافية كبيرة، أو حدث رياضي عالمي، أو حملة إعلامية واسعة الانتشار، قد تحقق نجاحاً شكليا آنياً، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى مكسب إستراتيجي ما لم تكن جزءاً من رؤية أشمل. فالقيمة الحقيقية للدبلوماسية العامة لا تكمن في الأنشطة ذاتها، بل في القدرة على توظيف هذه الأنشطة ضمن مشروع متكامل يخدم المصالح الوطنية، ويعزز أهداف السياسة الخارجية.
ولهذا السبب أيضاً أصبحت الدبلوماسية العامة عملاً مؤسسياً بامتياز، فنجاحها لا يمكن ربطه بجهة حكومية واحدة أو مؤسسة بعينها، بل بقدرة عدد كبير من الفاعلين على العمل في اتجاه واحد. فالجامعات والمؤسسات الثقافية والهيئات الرياضية ووسائل الإعلام ومراكز الفكر والقطاع الخاص باتت جميعها شريكة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل صورة الدولة ومكانتها الدولية.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل الدبلوماسية العامة من أكثر التخصصات تعقيداً، فهي لا تتطلب فقط تعدد المعارف، بل تتطلب أيضاً القدرة على إدارة العلاقات بين هذه المعارف، وتحويلها إلى تأثير ملموس، إذ إنها تخصص يقوم على التكامل أكثر مما يقوم على التجزئة، وعلى الترابط أكثر من الفصل والعمل الانفرادي.
ولعل أفضل تشبيه للدبلوماسية العامة أنها أشبه بأوركسترا ضخمة تضم عشرات العازفين، لكل آلة فيها صوتها الخاص وقيمتها المميزة. غير أن جمال اللحن لا يتحقق بمهارة كل عازف على حدة، بل بانسجام الجميع وفق «نوتة» واحدة ورؤية مشتركة تقود الأداء وتحفظ تناغمه.. وكما أن آلة واحدة قد تُحدث نشازًا يفسد المعزوفة ويُضعف أثرها، فإن أي خلل في اتساق الرسائل أو تضارب الأدوار يمكن أن يبدد الجهود ويقوض التأثير، الذي تسعى الدبلوماسية العامة إلى تحقيقه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store