تُعتبر الثقافة أحد أهم عناصر الأُمَّة في الحفاظ على هويَّتها من الاستغلال الحضاريِّ، في ظلِّ المحافظة على مكوِّناتها الثقافيَّة ومنها: اللُّغة، والدِّين، والأدب، والتُّراث.. وتلعب المملكة دورًا رائدًا في التواصل مع الحضارات الأُخْرى؛ ممَّا يعطي انطباعًا عالميًّا بأهميَّتها في الانفتاح والتَّقارب والحوار مع الآخر، وقد دعم ذلك التوجُّه رُؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان 2030م وخطَّة التحوُّل الوطنيِّ، وإيجاد مجتمع قويٍّ منفتح على الثقافات الأُخْرى ثقافيًّا وعلميًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا.
وقد كرَّس إطلاق (مؤسسة خالد الفيصل الثقافيَّة) في 6/ 5 /2026م هذه المفاهيم الحضاريَّة؛ للحفاظ على الإرث الثقافيِّ الوطنيِّ، وتعزيز الهويَّة الإسلاميَّة، فالرُّؤية هي الوصول إلى حركة إبداع ثقافيَّة أصيلة مبنيَّة على قواعد راسخة من قيمنا الإسلاميَّة.. وهي بهذا تشجِّع على الإبداع والابتكار في مجالات الثقافة المختلفة؛ للمساهمة في صناعة أثرٍ عالميٍّ، ووعيٍ وفكرٍ متجدِّد، يثبت عمقنا الحضاري، وقدرتنا على مواكبة الثقافة المتجدِّدة.
إنَّ إطلاق جائزة الأمير خالد الفيصل لوقف القرآن في عام 2022م، وتوقيع اتفاقيَّات لإنشاء عددٍ من التطبيقات اللُّغويَّة والتَّعليميَّة، تطبيق (العربيَّة للحاجِّ والمُعتمر)، وغيرها من المبادرات، لم تكن سوى قطرة في بحر عطائه الثقافيِّ لتحفيز الإبداع في مجالات حفظ اللُّغة العربيَّة، التي هي لغة القرآن الكريم، وبذلك يتواكب تطوُّر الثقافة مع العلم والتَّقنية مع حلول إبداعيَّة، والقيم مع تكريم المبدعِين؛ لتبقى مشروعات مستدامة تخدم لُغتنا العربيَّة، وتُعلي من مكانتها عالميًّا.
هذه المؤسسة الثقافيَّة ستظل درعًا ثقافيًّا يحمي الهوية الوطنية الإسلامية؛ لأنَّها تسعى إلى جعل الثقافة ركيزة حيوية في بناء الإنسان، وكلنا يتذكَّر مبادرة سموِّه في منطقة مكَّة المكرَّمة وبرنامج نحو العالم الأوَّل، وبناء الإنسان وتنمية المكان، وكيف نكون قدوة؟ ولعدَّة سنوات وبرامج متنوِّعة بما ينسجم مع توجُّهات الوطن في الحاضر والمستقبل؛ ممَّا كان له أكبر الأثر في التَّنمية الوطنيَّة المُستدامة، فأصبحت مكَّة المكرَّمة تضاهي أكبر مدن العالم حضارةً ورقيًّا وتطوُّرًا لخدمة الحجَّاج والمعتمرِين والزائرِين.
ويحقُّ لنا كشعبٍ ووطنٍ أنْ نفخرَ بهذه المؤسسة الثقافيَّة، التي أُنشِئَت لجمع مبادرات وطنيَّة، ولتكون الحاضنة لإرث الأُمَّة الحضاريِّ المنبثق من الدِّين، واللُّغة، والأدب، والفن، والتراث، بل إنَّ دواوين سموِّه الشعريَّة ذاتها وبالشِّعر النبطيِّ البديع، هي تراثٌ وطنيٌّ خالدٌ، ويمثِّل نبض الوطن، وصوت الهويَّة السعوديَّة، وريشة فنَّان يرسم بالكلمات، كما يبدع بريشة الألوان كل أنواع الجمال الإنسانيِّ؛ لأنَّ الرُّوح محلِّقة، والمشاعر الإنسانيَّة طاغية، والقِيم الأخلاقيَّة تتعالَى في سماء إبداعه، والتي ستبقى أنموذجًا في ذاكرة وتراث الوطن، يستلهم منها الجيلُ الجديدُ جمالَ النَّظم، وروعةَ التَّصويرِ، وعمقَ الخَيالِ، وسموَّ المعانِي ما يستحقُّ أنْ يحفظ ليكون إطلالةً مشرقةً للعالم، ونبضًا سعوديًّا يعزِّز رُوح الإبداع والابتكار الوطنيِّ.
وهناك مبادرة أكاديميَّة، وجائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربيِّ، ومكتبة الأمير خالد الفيصل الرقميَّة، والتي أشرعت أبوابها للأجيال؛ للنَّهل من جَمَال الشِّعر في دواوين سموِّه، وكذلك جائزة الأمير خالد الفيصل للُّغة القرآن الكريم.. هذه المؤسسة بحق شجرة وارفة الظِّلال تجمع بين أغصانها النضرة؛ فروع الثقافة، وزهور الفنون، وثمرات الأدب لتشييد منظومة حضاريَّة أصلها ثابت وفرعها في السَّماء، ولتتوافق مع مستهدَفات رُؤية 2030م.
ولعلِّي أختمُ بأجمل ما قاله سمو الأمير خالد الفيصل عنها: «إنَّها تسعى إلى صناعة مستقبل ثقافيٍّ متفرِّد يليق بالمملكة وإنسانها، ويرسِّخ مكانة السعوديَّة كمنارة للفكر والاعتدال، وجسر للتواصل الحضاريِّ بين الشعوب، خصوصًا أنَّها تنطلق من أرض الحرمين الشَّريفين».
بارك اللهُ في هذا الإنجاز الوطنيِّ المتفرِّد، ولكلِّ ما يحافظ على الثقافة والحضارة الإسلاميَّة وهويَّة الأُمَة ومجدهَا.


