Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

تعفن الدماغ

A A
اعتدنا أنْ ننظرَ إلى التكنولوجيا؛ بوصفها وسيلةً لتسهيل حياتنا. فقد وفَّرت لنا الآلاتُ جهدًا بدنيًّا هائلًا، واختصرت أعمالًا كانت تستغرقُ ساعاتٍ أو أيَّامًا. لكن مع ظهور الذكاءِ الاصطناعيِّ، بدأنا نقتربُ من مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تقتصر على توفير الجهد البدنيِّ، بل تمتد إلى بعض المهام الذهنيَّة أيضًا. والخوف اليوم ليس أنْ تستأجر أيدينا الآلات؛ لتؤدِّي الأعمال الشاقَّة، بل أنْ نؤجِّر عقولنا لها؛ لتؤدِّي عنَّا بعض مهام التفكير.
في عام 2024 اختارت مطبعة جامعة أكسفورد مصطلح «تعفن الدماغ» كلمةً للعام. وقد ارتبط المصطلحُ بالقلق من الإفراط في استهلاك المحتوى السطحيِّ على الإنترنت، وما قد يسبِّبه من تراجع في التركيز والانتباه. لكن هذا المفهوم يثير سؤالًا جديدًا في عصر الذكاء الاصطناعيِّ: ماذا يحدث عندما لا نكتفي باستهلاك المحتوى الجاهز، بل نبدأ في تفويض بعض عمليَّات التفكير نفسها إلى الآلة؟
لا شكَّ أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ أداةٌ نافعةٌ. فهو يساعدُ في البحث، والتَّلخيص، وتنظيم الأفكار، وتسريع العمل، ويفتح آفاقًا واسعةً للتعلُّم والإنتاج. لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحوَّل من أداة مساعدة إلى بديل عن الجهد الذهنيِّ.
فالطالبُ الذي يطلبُ من البرنامج كتابة بحثه كاملًا، قد يحصل على نصٍّ جيِّدٍ، لكنَّه يفقد فرصةً مهمَّةً لتطوير قدرته على التَّحليل والاستنتاج. وكذلك الموظَّف الذي يعتمدُ على الأداة في كلِّ مهمَّة فكريَّة، قد ينجز عمله بسرعة أكبر، لكنَّه قد يخسر تدريجيًّا بعض المهارات التي كانت تتطوَّر بالممارسة اليوميَّة.
وقد أشارت بعضُ الدِّراسات الحديثة إلى أنَّ الاعتماد المُفرط على الأدوات الذكيَّة، قد يقلِّل من مستوى الانخراط الذهنيِّ في بعض المهام المعرفيَّة. وهذا أمرٌ منطقيٌّ، فالعقلُ مثل العضلة، يقوى بالاستخدام المنتظم، ويضعف مع قلَّة الممارسة. وإذا كان الإفراط في المحتوى السطحيِّ قد ارتبط بمفهوم «تعفن الدماغ»، فإنَّ الإفراط في الاعتماد على الذكاءِ الاصطناعيِّ قد يقود إلى نتيجة مشابهة، تتمثَّل في تراجع بعض مهارات التفكير؛ بسبب عدم استخدامها.
ولعلَّ المثال الأقرب إلى ذلك، ما يحدث في بعض الجامعات اليوم. فقد أصبح من السَّهل على الطَّالب أنْ يطلب من أحد تطبيقات الذكاءِ الاصطناعيِّ إعداد تقريرٍ، أو مسوَّدةِ بحثٍ خلال دقائق. وقد يبدُو العمل متقنًا، لكن عند مناقشة التفاصيل، أو تطبيق الفكرة على حالة جديدة، يتَّضح أحيانًا أنَّ عمليَّة التعلُّم نفسها لم تحدث كما ينبغي.
المطلوب ليس مقاومة التقنية، أو الخوف منها، فوجودها أصبح جزءًا من واقعنا. لكن المهم أنْ نستخدمها بطريقة تجعلها توسع قدراتنا بدلًا من أنْ تحل محلها. فالذكاءُ الاصطناعيُّ -في أفضل حالاته- شريكٌ في التعلُّم والتَّفكير، لا بديل عنهما.
وربما يكون التحدِّي الحقيقيُّ في السنوات المقبلة هو ألَّا ننتقل من «تعفن الدماغ» الناتج عن الاستهلاك السلبيِّ للمحتوى، إلى شكلٍ آخرَ أكثر خفاءً يتمثَّل في التنازل التدريجيِّ عن مهارات التَّفكير والتَّحليل لصالح الآلات.
ففي النهاية، لنْ تحدِّد الخوارزميَّات مستقبل عقولنا، بل الطريقة التي نختارُ بها التَّعامل معها. فالآلة أداةٌ قويَّةٌ، لكنَّها ستظلُّ أداةً، أمَّا العقلُ البشريُّ فسيبقَى الأصل الذي يمنح المعرفة معناها. وربما كانت أفضل طريقة لحماية عقولنا من «التعفُّن» بالمعنى المجازيِّ، هي أنْ نواصل استخدامها، لا أنْ نؤجِّرها للآخرِين، مهما بلغت قدراتِهِم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store