في المستشفيات.. ترى الحياة على حقيقتها. ترى الإنسان عندما يضعف، وترى القلق في عيون المحبِّين، وترى الدعاء الصادق يسبق الكلمات. في أقسام الطوارئ، والعناية المركَّزة تحديدًا، تعيشُ أسرٌ كثيرةٌ ساعاتٍ ثقيلةً بين انتظار خبر مطمئن، أو متابعة حالة عزيزة على قلوبها. هناك أبٌ يخشى على ابنه، وأمُّ تترقَّب تحسُّنًا في حالة ابنتها، وأخٌ يقفُ أمام باب غرفة، لا يملك سوى الأمل والدُّعاء.
هذه المشاعر مفهومة تمامًا، فالخوفُ على الأحبَّة شعورٌ يلامس كل إنسان. وعندما يشتدُّ القلقُ قد تضيقُ مساحة الصَّبر، وقد تغلبُ العاطفةُ على كلِّ شيءٍ. ومع ذلك، يبقى من المهم أنْ نتذكَّر أنَّ هناك مَن يعيش داخل هذه اللَّحظات الصَّعبة معنا، ويحمل على عاتقه مسؤوليَّةً كبيرةً تجاه المرضى وأًسرِهم.
خلف الأبواب التي ينتظرُ عندها النَّاسُ، يقف شبابٌ وشاباتٌ من الأطبَّاء والممرِّضِين والفنيِّين والعاملِينَ في القطاع الصحيِّ. يبدأُونَ يومَهم على وقع حالاتٍ طارئةٍ، وينتقلُونَ من مريضٍ إلى آخرَ، ومن قرارٍ إلى آخرَ، ومن محاولة إنقاذ إلى متابعة علاج ورعاية. يحملُونَ ضغوطًا مهنيَّةً ونفسيَّةً كبيرةً، ويواجهُونَ مواقف إنسانيَّة مؤثِّرة بشكل يوميٍّ، ومع ذلك يواصلُونَ العمل بكلِّ ما يملكُونَ من معرفة وجهد واهتمام.
كم نحتاج في تلك اللَّحظات إلى أنْ نكون عونًا لهم. أنْ نتفهَّم طبيعة عملهم، وأنْ نتعاون مع تعليماتِهم، وأنْ نمنحهم الثِّقة التي تساعدهم على أداء مهمَّتهم. فكل دقيقة يقضُونَها في شرح أمر، أو تهدئة غضبٍ، كان يمكن أنْ تذهب لخدمة مريضٍ يحتاج إلى عنايةٍ عاجلةٍ.
كما نحتاجُ إلى إظهار الامتنان لهم. فليست كلُّ المهنِ سواءً، عندما يتعلَّق الأمرُ بحياة الإنسان وألمه وخوفه. هناك أعمال ترتبطُ برسالة إنسانيَّة عظيمة، والقطاع الصحيُّ في مقدِّمة هذه الأعمال. لذلك لا يليقُ أنْ تختصر جهودهم بعبارة عابرة مثل: «هذا عملُه ويأخذ عليه راتبًا». فالرَّاتبُ مقابلُ الوظيفةِ، أمَّا الرَّحمة والصَّبر والسَّهر والحِرص على سلامة النَّاس، فتعكسُ قِيمًا إنسانيَّةً نبيلةً تستحقُّ التقديرَ.
لعلَّ أجمل ما يمكن أنْ نحمله معنا عند زيارة أيِّ مستشفى، هو أنْ نتذكَّر أنَّ الجميع هناك يخوضُ معركته الخاصَّة، المريض يقاومُ الألم، وأسرتُه تقاومُ القلق، والكوادر الصحيَّة تبذلُ كلّ ما تستطيع من أجل منح الأمل والعافية. وحين يسودُ التعاونُ والاحترامُ والامتنانُ، تصبح تلك الرحلة الشَّاقة أكثرَ رحمةً على الجميع.


