النوم.. إنه «موتةٌ صغرى» تمنحنا استراحةً مؤقّتةً مِن ثِقلِ الوعي، وتدريبٌ يومي على الغياب، على تلاشي الآمالِ والأوهامِ والآلامِ معًا، والغوصِ في عالمٍ لا يعدو كونه صورًا وخيالات، بعيدًا عن واقعٍ يزدادُ قسوةً والتباسًا. النوم آيةٌ عظمى، ونِعمةٌ كبرى؛ لولاه لانتحرَ كثيرون من وطأةِ اليقظة.
وحتى لو كان النوم هروبًا مؤقتًا مِن الواقع، فما المشكلة؟ أليست هذه إحدى وظائفه الأساسية؟ لا تخجل من حاجتكَ إلى الانسحابِ المؤقّت؛ فالنفس، كالجسد، تحتاج إلى انطفاء لتُرمّم نفسها وتضبِط مزاجها، وهذا الانطفاء يعيد تأهيل الجسد، ويُصلح ما عطب من وظائفهِ وأعضائه.
النوم.. هو اللحظة الوحيدة التي نتخفَّف فيها من عبء الأدوار المفروضة علينا، حيث لا نطالب أن نكون شيئًا أو نثبت شيئًا. وفي هذا المعنى يقول (ميغيل دي ثيربانتِس) في رواية «دون كيخوت»: إن النوم يداهم الإنسان بِلا استئذان، ولا طاقةَ لبشرٍ على مقاومته طويلًا؛ فهو يساوي بين القوي والضعيف، وبين الحكيمِ والجاهل، كما يفعل الزمن بِكل شيء، إنه يشبه الموت عن كثب!. هكذا يبدو النوم قوة كونية هادئة تُذكّرنا في كل مساءٍ بأننا متساوون في هشاشتنا، مهما اختلَفت مقاماتنا في اليقظة.
النوم.. مجال تُعَالَج فيه المشاعر، وتُهذَّب فيه الذكريات المؤلمة. ولعل الأرق، في جوهره، ليس إلا عجزًا عن استيعاب ما تثقل به النفس من انفعالات مكبوتة. لذا فالنوم ضرورة لنتخفَّف من عبثية اليقظة، ونتعافى من أذى العلاقات وابتذال الواقع. يقول (شوبنهاور): «هذا العالم مُخيِّب للآمال، ولا تسلية فيه أعظم من النوم».
وفي الأحلام، تظهر مشاعرنا وأفكارنا بصورةٍ صادقة بطريقةٍ ما. إن النوم يُحرِّرنا من أدوارنا الاجتماعية؛ فنصبح، ولو مؤقتًا، بلا أقنعة، لتظهر ذواتنا كما هي: بلا تزييف، بلا رقابة. الأحلام ليست عبثًا خالصًا، بل إعادة تشكيل للحقيقة في صورةٍ رمزية، قد تبدو غريبة، لكنها أقرب إلى الجوهر.
يقول (دوستويفسكي): «إن في نوم الإنسان لذَّة لا يُدركها إلا القليل. إنه لحظة قصيرة من العَدَم، لذلك أُحب أن أنام؛ لأنني حينها لا أكون شيئًا». إن النوم لا يُغيِّر العالم، لكنه يجعلنا أقدر على تحمّله؛ يُخفِّف من قسوته قليلا، وقليل من الخفة قد يكون كافيًا لنواصل العيش.


