لا أعرفُ متى تحوَّلت [صوتك يناديني] من أغنية إلى ملاذٍ، كل ما أعرفهُ أنَّني كلَّما ازدحمت الحياة أكثر ممَّا ينبغي، وحين تتراكم الأيَّام فوق الرُّوح حتَّى تثقلها، وجدتني أعودُ إليها دون تفكيرٍ. في نهاية يوم طويلٍ وربَّما في ليلة أرهقتها الأفكارُ، أو في لحظة أشعرُ فيها أنَّ الأشياء خرجت قليلًا عن مواضعها المعتادة. عندها يكفي أنْ يبدأ ذلك النِّداء البعيد..
تذكَّر..
وكأنَّ نافذةً قد فُتحت فجأةً في غرفة ظلَّت مغلقةً زمنًا طويلًا، وربَّما لهذا أعودُ إليها دائمًا، ليس لأنَّني أبحثُ عن ذكرى بعينها، أو لأنَّني أريدُ استعادة زمن مضى. أعودُ إليها في الأيَّام التي تبدُو فيها الأشياءُ متراكمةً أكثر ممَّا ينبغي، حين يحومُ الرأسُ بالتَّفاصيل، وتتداخل الطرقُ، ويصعب على الإنسان أنْ يسمع صوته وسط ضجيج الحياة، عندها لا تفعل الأغنيةُ شيئًا خارقًا، لكنَّها تُعيد الأمور إلى أماكنها بهدوءٍ وكأنَّها ترتِّب الفوضى الصَّغيرة التي تتسلَّل إلى الداخل دون أنْ نشعر.
لا تختفي الهمومُ، ولا تُحلُّ الأسئلةُ المؤجَّلة، لكنَّ شيئًا أكثرَ هدوءًا يحدثُ في الداخل، تستعيد الأفكارُ أماكنها، ويعود القلبُ إلى إيقاعه الطبيعيِّ، كما يعودُ سطحُ الماءِ إلى سكونه، بعد أنْ يتوقَّف المطرُ، ولذلك لم أفهم هذه الأغنية يومًا على أنَّها أغنية عن الماضي، بل هي أعمقُ من ذلك بكثير.
فالماضي فيها ليس غايةً، بل طريقٌ. أمَّا الوجهةُ الحقيقيَّةُ فهي الإنسان نفسه. ذلك الإنسان الذي كان يرى في الأشياء البسيطة ما يكفِي من الجَمَال؛ ليملأ عمره كله. الإنسان الذي لم يكن يحتاجُ أكثرَ من جدارٍ من طينٍ، وحصيرٍ بسيطٍ، وقمرٍ يطلُّ من خلفِ الليلِ؛ ليشعر أنَّ العالم بخير.
وحين يبدأ محمد عبده بالغناء، لا أشعرُ أنَّه يستحضرُ ذكرى قديمة، بقدر ما يزيحُ الغبارَ عن تلك المنطقة الهادئة من الرُّوح التي لم تصلْ إليها ضوضاءُ الحياة بعد.. فجأةً يعود الحلمُ الصغيرُ، ليس بوصفهِ صورةً من الماضي، بل بوصفه شعورًا ما زال حيًّا في مكان ما داخلنا؛ لذلك يكمن سرُّ خلودها.
فالأعمال الفنيَّة العظيمة لا تعيش لأنَّها جميلة فقط، بل لأنَّها تجدُ مكانًا دائمًا داخل النَّاس. أمَّا الأعمالُ الخالدةُ حقًّا، فهي تلك التي تتحوَّل مع الزَّمن إلى جزءٍ من ذاكرتهم العاطفيَّة، وإلى محطَّة يعودُون إليها كلَّما أرهقتهم الطَّريقُ، ولهذا لم تعد [صوتك يناديني] ملكًا لجيل واحد.
أكثر من أربعين عامًا مرَّت منذُ خرجتُ إلى العالم، تغيَّرت خلالها الأذواقُ، وتبدَّلت الأصواتُ، وامتلأت الساحةُ بأغانٍ لا تُحصَى، لكنَّها بقيت واقفةً في مكانها كمنارةٍ مضاءةٍ على شاطئ بعيد، يمرُّ الزَّمنُ حولها ولا يمسُّها، كل جيل وجد نفسه فيها بطريقة مختلفة، وكل مستمعٍ ظنَّ -ولو للحظةٍ- أنَّها تحكي حكايته وحده.
أمَّا محمد عبده، فله في هذه الأغنية شأنٌ آخرُ، فالأصواتُ الجميلة كثيرة، والألحانُ العظيمة متعدِّدة، لكنَّ القليل منها يمتلك تلك القدرة النَّادرة على السَّكن في وجدان البشر. هناك فنَّانُونَ نستمع إليهم بإعجاب، وهناك مطربُونَ نحبُّهم، لكنَّ محمد عبده ينتمي إلى فئةٍ مختلفةٍ، فصوته الذهبي لا يمرُّ على الأذن فحسب، بل يستقرُّ في الذاكرة، ويصبح جزءًا من تفاصيل العمر. يصبح رفيقَ طريقٍ طويلٍ في آخر الليل، وجليس لحظة تأمُّل، وأنيس قلب أثقلته الأيَّامُ، وفي رائعته هذه تحديدًا يبلغ هذا الحضور ذروته، تذوبُ الكلماتُ في اللَّحن، ويذوبُ اللَّحنُ في الموسيقَى، ثمَّ تذوبُ كلُّها في صوتِ محمد عبده الملائكيِّ حتَّى لا تعود تعرف أين ينتهي الشِّعرُ؟ وأين يبدأُ الغناءُ؟ ولهذا لا أشعرُ وأنا أستمعُ إليها أنَّني أسمعُ أغنيةً، أشعرُ أنَّني أغادرُ العالمَ قليلًا.
تتراجعُ الأشياءُ إلى الخلف؛ مواعيدُ الغد، وضجيجُ اليوم، وكلُّ ما كان قبل دقائق يحتلُّ القلب. ولا يبقى في المشهد كلِّه سوى ذلك الصوتِ البعيد، محمَّلًا بكلِّ ما في الذَّاكرة من دفءٍ، وكل ما في الحنين من جَمَالٍ.
صوت لا يسألني أين كنت؟ ماذا فعلت بي السَّنواتُ؟. يكتفي بأنْ يناديني.. تذكَّر.. فأعودُ إلى الحلمِ الصَّغير، وأعودُ إلى نفسي؛ لأنَّ ليست كلُّ الأغنيات تُسمَع، بل بعضها يُعَاش، أمَّا [صوتك يناديني] فكانت -وما زالت، وستظلُّ- أجملَ مكانٍ أعودُ إليه حين أتعبُ من الطَّريقِ.


