Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

حـــــظ

A A
قبل اندلاع الحرب الأمريكيَّة الإسرائيليَّة الإيرانيَّة في 28 فبراير 2026، كانت مقاتلة إف-15 الأمريكيَّة الصنع، بطرازاتها المختلفة، تتمتَّع بأفضل السجلات الجويَّة العسكريَّة. تمتاز هذه الطائرة بخصائص متميِّزة في القتال الجويِّ والهجوم الأرضيِّ، بفضل تصميمها المتفوِّق، وأجهزتها الاستشعاريَّة المتطوِّرة، وبخاصَّة رادارها العملاق، وتسليحها المتقدِّم، وما شهدته من تطوُّرات تصنيعيَّة عبر السِّنين. وقد ساهمت كل هذه الخصائص في تفوُّقها، فلم تُسقط منها أيُّ طائرةٍ في أيِّ اشتباكات جويَّة منذ أنْ دخلت الخدمة في نوفمبر 1974. ولكن خلال العمليَّات العسكريَّة في الحرب الحديثة، تغيَّر كلُّ هذا خلال فترة وجيزة، إذ سقطت أربع مقاتلات من هذا الطِّراز تابعة للقوات الجويَّة الأمريكيَّة خلال فترة تقل عن شهر. والمعلومة الغريبة هنا أنَّ أحد الطيَّارين نجا مرَّتين خلال إسقاط المقاتلات الأربع. وتحديدًا، نجا عندما أُسقطت طائرته ضمن ثلاث طائرات من هذا الطراز دفعة واحدة في أوائل مارس 2026 فوق الكويت الشَّقيقة، بنيران صديقة عن طريق الخطأ. وفي 3 أبريل 2026، نجا مرَّة ثانية عندما أُصيبت طائرته بصاروخٍ إيرانيٍّ في عمليَّة جويَّة بالقرب من أصفهان في شرق إيران. وهذه حالة نادرة؛ فهي أول مرَّة ينجو فيها طيَّار مرَّتين أثناء قيادة طائرتين مختلفتين منذ أكثر من خمسين سنة.
وإنْ كنت تعتقد أنَّ هذه حالة حظ غريبة، فإليكم ما هو أغرب: في السادس من أغسطس 1945، كان المهندس البحري الياباني «ياماغوتشي» يقوم بمهمَّة انتداب إلى مدينة هيروشيما في اليابان. وبعدما انتهى من عمله، كان يستعد للعودة إلى مدينته، وفوجئ مع مئات الآلاف من سكان المدينة بالهجوم الجويِّ بالقنبلة الذريَّة التي دمَّرت معظم المدينة، وقتلت كثيرًا من سكَّانها. وعلى الرغم من إصابته بجروح وحروق، وعلى الرغم من الدَّمار الشامل للبشر والحجر في المدينة، استطاع أنْ يشقَّ طريقه بطرقٍ مختلفة إلى منزله في مدينة ناجازاكي اليابانيَّة بعد ثلاثة أيام شاقة من السَّفر. وعند وصوله، فُوجئ بالغارة الجويَّة التاريخيَّة التي استُخدمت فيها القنبلة النوويَّة الثانية، فأُصيب في دمار المدينتين الوحيدتين في التاريخ اللتين دُمِِّرتا بالقنابل الذريَّة. وهو الإنسان الوحيد المسجَّل الذي شهدهما على الطبيعة. وللعلم، فبإرادة الله، تمتَّع «ياماغوتشي» بصحَّة جيدة، وعاش إلى سن التسعين.
الحالتان المذكورتان أعلاه تمثِّلان حظوظًا استثنائيَّة، ويمكن تفسيرهما من زاويتين مختلفتين. فكلاهما يمكن أن يُفسَّر بمنظور إيجابيٍّ إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية تُدرك أهميَّة النعم التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى. كما يمكن أنْ يُفسَّرا بمنظور سلبيٍّ يضعهما في قائمة غير المحظوظِينَ.
أمنيـــــة
تُوجد تفسيرات كثيرة لمفهوم الحظ، ومن أهمها أنَّ الإنسان يصنعُ حظَّه باستغلال الفرص، والعمل الدؤوب، والاستعداد الدائم، ومساعدة النَّاس، وفوق كل ذلك، تقوى الله، وتقدير نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى. أتمنَّى أنْ نعيد النظر في التفاصيل الدقيقة لما ننعم به يوميًّا. ولو دقَّقنا في الأمور، سنجد أنَّ الحظ يحالفنا في أماكن وأوقات لا نتوقََّعها. وكل هذا بفضل الله ولطفه، وهو من وراء القصد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store