Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

هكذا نضمن نجاح الموسم السياحي

A A
فيما يترقب السعوديون بدء موسم الإجازة الصيفية؛ تبرز السياحة الداخلية كخيار إستراتيجي لا ينبع من فراغ، حيث يمثل توجهاً لا تُخطئه العين. فالقيادة السعودية تبذل جهوداً ضخمة ومتواصلة لترقية هذا القطاع الحيوي الذي شهد إضافات كثيرة وفق ما نادت به رؤية 2030، التي وضعته كأحد أهم مصادر الدخل التي تمتاز بالاستدامة، والتي تؤثر على الكثير من جوانب النشاط الاقتصادي والتجاري.
ومن الأسباب التي تسهم في تغليب خيار السياحة الداخلية، وتدفع السعوديين للبقاء في وطنهم خلال الموسم، ما تشهده بعض دول الجوار من اضطرابات أمنية أصبحت تؤثر بدرجة كبيرة على ثقة المسافرين وحركة الطيران، إضافة لتأثيرات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والتي كان لها أثر كبير في زيادة النفقات. لذلك تحول الداخل السعودي إلى مساحة آمنة ومستقرة، قادرة على توفير تجربة سياحية فريدة وتعزيز النشاط الاقتصادي.
ونتيجة للعديد من المتغيرات؛ لم تعد المواسم السياحية في السعودية مجرد فعاليات موسمية، وتحوّلت إلى برامج اقتصادية متكاملة تشهدها العديد من المدن والوجهات السياحية، ويعكس هذا التنوع قراءة ذكية لسلوك السائح المحلي، الذي يبحث عن بدائل متنوعة ضمن حدود الدولة، خاصة مع تقلُّص الخيارات الخارجية، مما يؤكد حجم الرهان على هذا القطاع كمحرك اقتصادي حقيقي.
ومن أبرز الأسباب التي دفعت القيادة السعودية للتركيز على تطوير صناعة السياحة ما يمتاز به هذا القطاع من مرونة عالية، فعائداته والأرباح الناتجة عنه تشمل الفنادق ومرافق الإيواء والتجار وأصحاب المطاعم ومحلات التجزئة ووسائل النقل. ونتيجة لذلك أصبحت السياحة أحد أعمدة رؤية 2030، وانتقلت من قطاع ثانوي إلى لاعب رئيس في الاقتصاد، مع هدف طموح برفع مساهمتها في الناتج المحلي إلى 10% بحلول عام 2030.
كذلك فإن المملكة تحظى بإمكانات سياحية هائلة لا توجد في أي دولة أخرى، فهناك المزارات والآثار والمواقع الدينية الفريدة التي يقصدها ملايين المسلمين من كافة أنحاء العالم، إضافة إلى الصحاري الشاسعة والسواحل الخلابة والغطاء النباتي الفريد والجبال الشاهقة والتنوع المناخي. لذلك بادرت الدولة إلى إقامة مشاريع عملاقة مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، والعلا، وهي مشاريع تعيد تعريف مفهوم السياحة في المنطقة، وجعلت القطاع أكثر قدرة على التكيّف مع المتغيّرات الإقليمية، وأعطى رسالة واضحة بأن السياحة خيار إستراتيجي للأمن الاقتصادي.
ورغم هذا الدعم غير المحدود، إلا أن هناك العديد من التحديات التي تواجه نهضة السياحة الداخلية لدينا، وتحد من قدرتها على تحقيق أقصى إمكاناتها، من أهمها ارتفاع الأسعار في بعض الوجهات، وهو ما يشكّل ضغطاً على قرار السائح المحلي، ويزيد من المقارنة مع الوجهات الخارجية.
ولأن هذه المشكلة تمثّل العبء الأكبر الذي يهدّد بإعاقة الجهود المبذولة لإنجاح الموسم السياحي، فإن فروع وزارة السياحة المنتشرة في معظم مناطق المملكة وبقية الأجهزة تقوم بجهود متواصلة لمراقبة وضبط الأسعار، وتعزيز المنافسة لجعل السياحة الداخلية خياراً اقتصادياً جاذباً على الدوام، وليس مجرد بديل اضطراري.
كذلك تبرز الحاجة الماسة إلى مواصلة تطوير الوجهات السياحية، وتقديم تجارب متكاملة تجمع بين الترفيه والثقافة والطبيعة. وفي السياق ذاته، يمكن للتسويق الرقمي أن يلعب دورا محوريا في الترويج للوجهات المحلية، خاصة في ظل تغير سلوك المستهلك، والعمل على تحسين تجربة السائح من خلال استخدام التقنيات الذكية والتطبيقات السياحية وأنظمة الحجز الإلكتروني.
وحتى نضمن نجاح موسم السياحة الداخلية من الضروري الإشارة إلى أن ذلك لا يعتمد على جهة واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل عدة قطاعات، وكما قامت الدولة بتذليل العديد من الصعاب التي تواجه المستثمرين في هذه الصناعة، فإن القطاع الخاص مطالب أيضا بتغيير النظرة الضيقة التي تركز على المكاسب الآنية والأرباح الفورية، فالسياحة تمثل مستقبل الاقتصاد، والرافعة الأساسية للتطور والنهضة. ومع وجود البنية التحتية المتطورة، والدعم الحكومي المستمر، فإن السياحة الداخلية مرشَّحة لأن تصبح أحد أبرز أعمدة الاقتصاد السعودي في القريب العاجل.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store