- يروى أن الخليفة هارون الرشيد عاتبته زوجته السيدة زبيدة على تفضيله لابنه المأمون عن ابنهما الأمين، فتحدَّث معها في أمور شتى، واستدعى ابنهما الأمين، وقال له: يا غلام أحضِر لنا ذلك الكيس الصغير هناك، فقام بإحضاره، وسأله والده: ماذا بداخله، فردّ عليه في الحال: هذه مساويك، وأعاد الكيس إلى مكانه. ثم استدعى المأمون وطلب منه إحضار الكيس نفسه، ثم سأله عمّا بداخل الكيس، فأجاب: هذه يا سيدي مساوئ أعداء أمير المؤمنين، ثم انصرف.
أراد الخليفة أن يدلل على سبب ميله دون أن يخوض في السبب.
- ومما يروى عن سليمان وداود عليهما السلام أن سيدنا سليمان كان داهية في القضاء، إلّا أن هناك قصة أغنام رجل دخلت في الليل على زرع رجل آخر، فأكلت من الزرع ما أكلت وأتلفت بعضه، فجاء الرجلان مختصمين إلى داود عليه السلام، فقضى أن يعطي صاحب الأغنام أغنامه لصاحب الزرع نظير ما أفسد، فلما خرجا من عنده ذهبا إلى سليمان عليه السلام، فسمع من هذا وذاك، ثم قال: ليس الحكم هكذا!! وإنما يأخذ صاحب الأرض أغنام صاحبه بغرض الانتفاع بلبنها، ويقوم صاحب الأغنام المعتدية ويصلح ما أفسدته ماشيته، وبالتالي يأخذ هذا أرضه، ويسترد الآخر غنمه.
- ومما يروى في كتاب الأذكياء لابن الجوزي أن رجلاً خبأ مالاً في حضرة صاحبه عند شجرة، فما كان من صاحبه إلّا أن عاد وأخذ المال ومضى، فجاء صاحب المال إلى إياس بن معاوية - وهو قاضٍ مشهور بدهائه كسليمان- شاكياً، إلّا أن الصاحب أنكر معرفته بالحادثة والمال، فقال إياس لصاحب المال: اذهب إلى الشجرة لعلك تتذكر، أما صاحبه فطلب منه البقاء لديه ريثما يرجع الرجل من مهمته، وبينما إياس يقضي بين الناس التفت إلى الرجل متسائلاً: أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة؟، فقال: لا.. إن المكان بعيد، فالتفت إياس إليه وقال: يا عدو الله، لقد أنكرت معرفتك بالمال والشجرة من قبل، وهكذا أوقع به.
- ومن دهاء سليمان عليه السلام في القضاء أن رجلاً جاءه وقال له: يا نبي الله إن لي جيراناً يسرقون أوزي، فنادى سليمان عليه السلام: الصلاة جامعة، ثم صعد المنبر وخطب في الناس قائلاً: ما بال أحدكم يسرق أوز جاره ثم يدخل المسجد والريش على رأسه!. فمسح رجل رأسه، فقال عليه السلام: خذوه فإنه صاحبكم.
ولعل ما يستفاد مما ورد ذكره والاستشهاد بتلك المواقف؛ أن العديد منها يحتاج الى علم أكثر من اجتهاد ورأي، ولا بد لمن يقضي أن يكون عالماً بالمسألة التي يحكم فيها، وهناك أمور محسومة لا يُقبل فيها اجتهاد (كالمواريث مثلاً)، وهناك العديد مما يستوجب العقل والبصيرة والفطنة والدهاء.


