Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة

A A
عندما يُذكر مصطلح الدبلوماسية العامة، تتجه الأذهان عادة إلى الجهود التي تبذلها الدول للتواصل مع الشعوب الأجنبية، والتأثير في تصوراتها واتجاهاتها بما يخدم أهداف السياسة الخارجية، ولهذا ركزت معظم الأدبيات والتعريفات التقليدية للدبلوماسية العامة على الجمهور الخارجي؛ باعتباره المستهدف الرئيس لرسائلها وأنشطتها.
لكن التحولات الإعلامية والرقمية التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين؛ تدفعنا إلى ضرورة إعادة النظر في هذا التصور، فالدبلوماسية العامة لا تتعلق بالمتلقي الخارجي وحده، بل إن نجاحها أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على الجمهور المحلي أيضاً.. وبالتالي فإن على الممارسين والباحثين في هذا المجال إيلاء المزيد من الاهتمام بمفهوم «الدبلوماسية العامة الداخلية» (Domestic Public Diplomacy)، وهو مفهوم يقوم على فكرة أن بناء الوعي والثقة داخل المجتمع لا يقل أهمية عن التأثير في الجماهير الأجنبية، ولا يمكن فصله عنه.
ففي الماضي كان يتردد على أسماعنا عبارة «رسائل للاستهلاك الداخلي»، وأخرى موجهة للجمهور الخارجي. أما اليوم فقد ألغت وسائل الإعلام الجديد الحدود بين الإعلام الداخلي والإعلام الخارجي، حيث جعلت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي الفصل بينهما أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فالمواطن المحلي يتابع بشكل آني ما يُنشر عن بلاده في وسائل الإعلام الأجنبية، والجمهور الخارجي يطّلع في الوقت نفسه على ما يدور داخل الدولة من نقاشات وآراء وتفاعلات.. وبالتالي أصبحت الصورة الذهنية للدول تتشكل من خلال هذا التداخل والتفاعل المستمر بين المجالين الداخلي والخارجي.
وتتضح أهمية هذا البعد بصورة خاصة عند استضافة الدول للفعاليات الدولية الكبرى، فالسعودية على سبيل المثال، استضافت خلال السنوات الأخيرة عدداً متزايداً من الأحداث الرياضية والثقافية والترفيهية العالمية، كما تستعد لاستضافة مزيد من الفعاليات الدولية خلال السنوات المقبلة. وفي مثل هذه المناسبات لا يقتصر دور الدبلوماسية العامة على الترويج الخارجي للحدث، أو إدارة العلاقات الإعلامية الدولية، بل يمتد إلى إشراك المجتمع المحلي في تحقيق أهداف الاستضافة.
فالزائر الأجنبي لا يبني انطباعاته من خلال الملاعب المبهرة أو قاعات المؤتمرات والمنشآت الحديثة فقط، وإنما -وبشكل أهم- من خلال تفاعله مع المواطنين والمتطوعين والعاملين في مختلف القطاعات. كما أن ملايين المتابعين حول العالم لا يكتفون بمتابعة محتوى الإعلام الرسمي، بل يراقبون أيضاً ما ينشره الأفراد على منصات التواصل الاجتماعي.. وهنا يصبح المواطن جزءاً من الرسالة التي تسعى الدولة إلى إيصالها للعالم، وليس مجرد متلقٍ لها.
كما يبرز دور الجمهور المحلي عندما تتعرض الدول لحملات إعلامية مضللة ومسيئة. ففي البيئة الرقمية المعاصرة لم تعد هذه الحملات تستهدف الرأي العام الخارجي فقط، بل تسعى إلى التأثير في الداخل أيضاً من خلال نشر الإرجاف والإحباط والمعلومات المغلوطة وإثارة الشكوك، أو استغلال الاستقطابات القائمة، وتشويه صورة الرموز الوطنية. وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية العامة في تعزيز الوعي المجتمعي وتوفير المعلومات الدقيقة وشرح السياسات والمواقف الوطنية بلغة واضحة ومقنعة. فالهدف ليس تلقين الجمهور بشكل دعائي ما يجب أن يفكر فيه، بل تمكينه من فهم القضايا المطروحة والتعامل النقدي مع المعلومات المتداولة.. فالمواطن الواعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل، كما أنه يمثل لبنةً أساسيةً في بناء القوة الناعمة للدولة.
خلاصة القول، لقد نشأت الدبلوماسية العامة تاريخياً باعتبارها أداة للتواصل مع الخارج، لكن الواقع الإعلامي الجديد يفرض توسيع هذا الفهم، فالجمهور المحلي لم يعد مجرد متلقٍ لنتائج الدبلوماسية العامة، بل أصبح شريكاً في نجاحها. ولذلك لم يعد السؤال المطروح ينحصر في كيف نخاطب العالم، بل كيف نبني أولاً مجتمعاً واعياً وقادراً على أن يكون شريكاً في مخاطبة العالم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store