Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. مالك بن ربيع آل دحلان

الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة

حوارات الطريف

A A
سافرتُ من الدرعيَّة إلى المدينة العالميَّة الجديدة على البحر الأحمر Red Sea Global، فوقفتُ على شاطئ للجزيرة العربيَّة لا يشبه الخليج في قلقه، ولا هرمز في توتره، فبدا الماءُ كأنَّه يقترحُ هويَّةً أوسعَ: مائيَّة، تجاريَّة، إنسانيَّة، لا تقوم على الرُّعب من الآخر، بل على العبور المتبادل. وفي الأيَّام نفسها وصلتني أصداء طيِّبة من مؤتمر الناتو في ريغا عن مقترحنا KE2045، كما سجَّلته مجلَّة الناتو للاتِّصالات الإستراتيجيَّة، من إسبانيا، ولاتفيا، وبريطانيا، وفنلندا، فشعرتُ أنَّ الغرب، رغم تعبه، لا يزالُ يحاول إصلاح لغته. ثمَّ نظرتُ شرقًا إلى منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصاديِّ، فاستوقفنِي توجسٌ من خطاب عرَّاب روسيا، ألكسندر دوغين، عن منطقتنا: نبرة قياميَّة تقرأ الشرق الأوسط بمسيحٍ منتظرٍ، وهيكلٍ ثالثٍ، ومهديٍّ في سردابٍ، وكأنَّهم جميعًا على خشبة مسرح لنهاية العالم. كفى.. لسنا مادةً لأساطير غيرنا.
فعدتُ أبحثُ عن رأي راشدٍ، فاستوقفتنِي كلمات «الإنسانيَّة الرَّائعة» Magnifica Humanitas، أوَّل رسالة عامَّة للبابا لاوُن الرَّابع عشر، وقَّعها في الذكرى الخامسة والثلاثين بعد المئة لرسالة سلفه عن «الشؤون الجديدة»، وكأنَّ الكنيسة تقول: الذكاء الاصطناعي هو الثورة الصناعيَّة الجديدة، والسؤال هو الإنسان نفسه. سحر الرسالة أنَّها لا تبدأ من الآلة بل من الإنسان. لا تسأل: ماذا تستطيع الخوارزميَّة؟ بل: ماذا يبقى من الإنسان إذا صار كل شيء قابلًا للحساب والفرز والتَّسعير؟ وتفتتح بصورتين: بابل التي تصعد إلى السَّماء بلا رحمة، والقُدس، المدينة التي يسكنُها اللهُ، ثمَّ الإنسانُ معًا. وبابل عصرنا قد تُبنى بلا طين ولا حجارة: من بيانات ومراكز حوسبة وأصواتٍ مصنوعة تطمس الحقيقة. وفي الرسالة قولٌ يستحقُّ الحفظ: التقنية ليست محايدةً أبدًا؛ إنَّها تأخذ صفاتِ مَن يصمِّمها ويموِّلها وينظِّمها ويستخدمها.
الخوارزميَّة تحسب المنفعة، والضَّمير يعرف الوجه. الخوارزميَّة ترى الحالة، والضَّمير يرى اليتيم والأسير والمسكين. الخوارزميَّة تسأل: ما الأكفأ؟ والإنسان يسأل: ما الأرحم؟ ولذلك تبلغ الرسالة ذروتها في الحرب: لا يجوز أنْ تُفوَّض الحياة والموت إلى أنظمة بلا ضمير، تجعل القتل بلا وجه ولا ندم ولا مساءلة.
هنا يتقدَّم الفقه الكنسيُّ الكاثوليكيُّ، لا لأنَّ نصَّه أعمق من نصِّنا، فعندنا سورة كاملة اسمها «الإنسان»، تفتتح بسؤالٍ أقدم من سؤاله: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}، بل لأنَّه يملك جرأة الصياغة في لحظتها. والمطلوب ليس موعظةً ضد الآلةِ، بل ميثاق حضاري للإنسان قبل الآلة، يصدر من منابر من نور، من مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، ومن الأزهر الشَّريف، ورابطة العالم الإسلاميِّ، ومنظَّمة التعاون الإسلاميِّ؛ ليقول للعالم: الإنسانُ ليسَ مادةً خامًّا للآلة، ولا السُّوق إله، ولا الحرب قدَر، ولا الحقيقة سلعة. ففي زمن الذكاء الاصطناعي لا يكفي أنْ نسأل: مَن يملك الخوارزميَّة؟ بل: مَن يملك المعنى؟ ومَن يحمي الضَّعيف؟ ومن يذكِّر العالم بأنَّ الذكاء بلا رحمة، قد يكون أرقى أشكال الجهل؟
رأيتُ ذلك البحر هناك، فتذكَّرتُ البحر حين انفلق لموسى: لم يكن الماء يومها جغرافيا، بل وعدًا بأن الطَّريق قد يُفتح من حيث نظنُّ العبور مستحيلًا. لا شرق قيامي يقرؤنا رمزًا، ولا غرب مادي يختصرنا سوقًا، بل أفقٌ نعبر إليه بصوتنا نحن. وهذا الصوت لا يولد من التأخُّر؛ يولد حين نستعيد الإقدام على التسمية: أنْ نسمِّي العالم قبل أنْ تسمِّيه لنا الآلة.
وفي عام ١٤٤٨، والهجرة النبويَّة تقويمنا الحضاري، نسأل اللهَ في شهره المحرََّم أنْ يكون عامًا تنشقُّ فيه البحارُ، وتهاجرُ فيه الأرواحُ.. وكلُّ عامٍ وأنتُم بخيرٍ.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبَر.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store