Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

حين تُستبدل التغطية الصحفية برسائل الواتس.. من يخسر؟!

A A
شهد المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في آليات التواصل بين الجهات الحكومية ووسائل الإعلام، حيث أصبحت مجموعات “الواتس آب” أداة رئيسية لتوزيع البيانات والصور والمواد الإعلامية الجاهزة. ورغم أن هذه الوسائل أسهمت في تسريع وصول المعلومة، إلا أنها أفرزت ظاهرة تستحق التوقف عندها ومناقشتها بجدية.
ففي كثير من المناسبات والفعاليات الرسمية، باتت بعض الجهات تكتفي بإرسال مواد صحفية جاهزة عبر مجموعات التواصل، دون إتاحة الفرصة للصحفيين والإعلاميين المهنيين لحضور الحدث ميدانياً أو إجراء لقاءات مباشرة أو نقل المشهد من زوايا متعددة. وبدلاً من ذلك، أصبح الحضور في بعض الأحيان مقتصراً على مشاهير منصات التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى، الذين يُنظر إليهم باعتبارهم الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور.
لا خلاف على أهمية المؤثرين ودورهم في دعم الرسائل الإعلامية والتوعوية، لكن الإشكالية تظهر عندما يصبح حضورهم بديلاً عن الصحافة المهنية، لا مكملاً لها. فالصحفي لا يكتفي بنقل الصورة، بل يبحث عن المعلومة، ويطرح الأسئلة، ويوثق التفاصيل، ويقدم محتوى يخضع للمعايير المهنية والتحريرية المعروفة.
إن التغطية الميدانية ليست ترفاً مهنياً، بل هي جوهر العمل الصحفي. فوجود الصحفي في موقع الحدث يمنحه القدرة على رصد المشاهد الإنسانية والتفاصيل الخفية التي لا تظهر في البيانات الرسمية أو المواد المعدة مسبقاً. كما تتيح له فرصة التحقق من المعلومات وإثراء المحتوى بما يخدم القارئ ويحفظ حق المجتمع في الحصول على صورة متكاملة للحدث.
وتبرز هذه الملاحظة بصورة أكبر في المناسبات الوطنية والدينية الكبرى، التي تستقطب اهتمام الرأي العام محلياً ودولياً. فمثل هذه الأحداث تحتاج إلى تنوع في التغطيات وزوايا المعالجة الإعلامية، وليس الاكتفاء بمادة موحدة تصل إلى جميع الوسائل الإعلامية بالصيغة ذاتها.
إن العلاقة بين الجهات الحكومية ووسائل الإعلام يجب أن تقوم على الشراكة والتكامل، لا على الاكتفاء بالتواصل الأحادي الاتجاه. فالصحافة المهنية كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في نقل منجزات المؤسسات وإبراز جهودها وتعزيز الشفافية والمصداقية.
لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء أدوات التواصل الحديثة أو التقليل من دور المؤثرين، بل إعادة التوازن للمشهد الإعلامي، من خلال فتح المجال أمام الإعلاميين المهنيين للحضور والمشاركة والتغطية الميدانية، جنباً إلى جنب مع صناع المحتوى. فالتنوع الإعلامي يثري الرسالة، ويعزز وصولها، ويضمن تقديم صورة أكثر عمقاً ومهنية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: البيانات الصحفية يمكن أن تنقل المعلومة، لكن الصحفي الميداني هو من يصنع القصة.
@nahlah_aljamal
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store