في زمن التواصل المفتوح، والمظاهر اللافتة، بات البعض يظنُّ أنَّ البساطة ضعف، وأنَّ التكلُّف والتصنُّع طريق إلى القبول الاجتماعيِّ (البرستيج)، إلَّا أنَّ الواقع أثبت أنَّ التكلُّف غالبًا لا يولِّد إلَّا التنافر والنفور، وأنَّ القلوب لا تميل إلَّا إلى من يخاطبها بعفويته وصدقه، لا بمظهره أو تكلُّفه.
وحقيقة التكلُّف أنَّه مرهقٌ للنفوس، سواء كان أقوالًا، أو أفعالًا، أو سلوكًا. ومن أهداف ذلك المتكلِّف هو إرضاء الآخرين، وكسب إعجابهم ومديحهم، أو مجاراة للموضة.
(كن كما أنت بلا تكلُّف أو تصنُّع)، فالحياة معقَّدة بما فيه الكفاية، فلا تزدها تعقيدًا بالتكلُّف؛ لأنَّ المتكلِّف سرعان ما ينكشف ويسقط القناع.
صور التكلُّف والتصنُّع كثيرة، ولكن سوف أذكر منها، التكلُّف في الحديث بلغة متصنِّعة، واستخدام مفردات معقَّدة، بينما البساطة في الطرح أقرب للقلوب والعقول. وكذلك التكلُّف في العلاقات كمن يظهر المحبَّة والاهتمام الزائد، بينما في داخله لا يحمل مشاعر حقيقيَّة، فيبدو مزيفًا سرعان ما يُكتشف. وكذلك التكلُّف في المناسبات مثل الإنفاق المبالغ فيه في الأعراس، أو حفلات النجاح، لمجرَّد التفاخر، ممَّا يرهق الجيب، ويثير المقارنة المجتمعيَّة السلبيَّة.
ونتيجة التكلُّف مؤلمة، وصنعت حاجزًا اجتماعيًّا بين الأصحاب والأحباب والأقارب، وقطعت التزاور بينهم، وأصبحت الأعذار جاهزةً: أنا مشغول، أنا عندي التزامات؛ بسبب الهالة التي تحيط بالزيارة من تجهيز وإعداد ومظاهر زائفة، وإرهاق للنفس والجيب، وإعلان حالة الطوارئ في البيت؛ بسبب تلك الزيارة.
كن كما أنت، لا كما يُراد لك أنْ تكون، وذكِّر نفسك دائمًا أنَّ النفس تميل للبساطة، وتحب مَن يريحها، لا من يُبهرها مؤقتًا ثم يُتعبها دائمًا.
* همسة: البساطة تشبه الماء، لا لون له، ولكنه الحياة، والتكلُّف ليس دليلَ رقيٍّ، بل عبء على الرُّوح، وعائق في العلاقات، أمَّا البساطة، فهي الفطرة، وهي الجاذبيَّة الحقيقيَّة.


