عندما يُذكر التَّشجير، يتبادر إلى أذهان كثيرٍ من النَّاس أنَّ أيَّ شجرة تُزرع هي إضافةٌ إيجابيَّةٌ للبيئة. ورغم أنَّ الأشجار تُعدُّ من أهم عناصر التَّوازن البيئيِّ، إلَّا أنَّ الحقيقة العلميَّة أكثرُ تعقيدًا من ذلك.
فليس كلُّ نوعٍ نباتيٍّ مناسبًا لكلِّ مكانٍ، وليس كلُّ نجاحٍ زراعيٍّ يعني بالضَّرورة نجاحًا بيئيًّا. فبعض الأشجار قد تستهلك كميَّات كبيرة من المياه، لا تتناسب مع طبيعة الموقع، وبعضها قد يؤثِّر في النباتات المحليَّة، أو يحدُّ من التنوُّع الحيويِّ إذا زُرع خارج بيئته المناسبة.
ولهذا لم يعد التَّشجير الحديث يعتمد على زيادة الأعداد فقط، بل على حُسن اختيار الأنواع، وفق خصائص التُّربة، والمناخ، والموارد المائيَّة، والأهداف البيئيَّة المرجوَّة.
وقد أثبتت العديدُ من الأشجار المحليَّة تكيُّفها مع الظروف البيئيَّة في مناطق مختلفة من المملكة، مثل السدر والسمر والطلح والغاف والأثل، وهي أنواع ارتبطت بالبيئة المحليَّة عبر فترات طويلة، وأسهمت في دعم التَّوازن الطبيعيِّ عند زراعتها في المواقع المناسبة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهميَّة مبادرة السُّعودية الخضراء التي تنظر إلى التَّشجير بوصفه مشروعًا بيئيًّا متكاملًا، لا يقتصر على زراعة الأشجار، بل يشمل اختيار الأنواع الملائمة وتعزيز استدامة الغطاء النباتيِّ، وتحسين جودة الحياة.
إنَّ السؤال الحقيقي ليس: كم شجرة زرعنا؟ بل: هل زرعنا الشَّجرة المناسبة في المكان المناسب؟
فالبيئة لا تبحثُ عن شجرة أكثر... بل عن الشَّجرة الأنسب.
والنجاح في التَّشجير لا يبدأ بحفرةٍ في الأرض، بل بقرارٍ صحيحٍ.


