عندما يقرِّر المواطن تركيب خزَّان غاز مركزيٍّ لمنزله، فإنَّه يتوقَّع أنْ يكون قد اختار حلًّا يوفِّر الراحة والاستقرار والأمان. لكن بعض التجارب العمليَّة تكشف واقعًا مختلفًا؛ فبدلًا من الراحة، يجد نفسه رهينةً لمواعيد غير دقيقة، واستجابات متأخِّرة، وقنوات شكاوى لا تمنحه شعورًا حقيقيًّا بأنَّ صوته مسموع.
المشكلة لا تكمن في وقوع الأخطاء، فكل خدمة معرَّضة للقصور والتحدِّيات التشغيليَّة. المشكلة الحقيقيَّة تبدأ عندما يتكرَّر الخلل من دون مراجعة واضحة؛ خاصَّة عندما يشعر العميل أنَّ الشكوى لا تؤدِّي إلى تصحيح أو محاسبة أو تحسين ملموس.
في قطاع الخدمات الأساسيَّة، لا يملك المستهلك دائمًا رفاهية الانتقال السريع إلى مزوِّد آخر. ولذلك تصبح مسؤوليَّة الشركات أكبر؛ لأنَّ العلاقة هنا ليست علاقة تجاريَّة عابرة، بل ارتباط مستمر يمس احتياجات يوميَّة لا يمكن الاستغناء عنها. وعندما يفتقد العميل إلى البدائل، فإنَّ جودة الخدمة والمساءلة تصبحان ضرورةً وليستا خيارًا.
من أكثر الملحوظات التي يردِّدها العملاء تأخُّر الاستجابة للطلبات، وتفاوت مستوى التعامل بين مقدِّمي الخدمة، وصعوبة الوصول إلى مسؤول يملك صلاحيَّة اتِّخاذ القرار. كما أنَّ الأنظمة الآليَّة، على أهميتها، لا يمكن أنْ تكون بديلًا دائمًا عن التواصل الإنسانيِّ الفعَّال، خاصَّة عندما يتعلَّق الأمر بمشكلة عاجلة، أو شكوى متكرِّرة.
السؤال الذي يطرحه المستهلك اليوم، مشروع وبسيط، وهو: مَن يراقب جودة الخدمة؟ ومَن يراجع أداء الشركات؟ ومَن يضمن أنَّ الشكوى لا تنتهي داخل الأدراج الإلكترونيَّة من دون أثر حقيقيٍّ يُذكر؟
الحل يبدأ بالشفافية، من خلال نشر مؤشرات أداء دوريَّة توضِّح زمن تنفيذ الطلبات، ونسب الالتزام بالمواعيد، وعدد الشكاوى، ومدة معالجتها. كما ينبغي وجود جهة رقابيَّة مستقلَّة تتلقَّى الشكاوى وتتابعها وتعلن نتائجها بشفافيَّة. كذلك يجب ربط تقييم الموظَّفين والسَّائقين وفرق التشغيل بمستوى رضا العملاء، وتطبيق إجراءات تصحيحيَّة واضحة عند تكرار القصور.
إنَّ الخدمات الأساسيَّة لا تُقاس بعدد المركبات، أو التطبيقات، أو مراكز الاتصال، بل بقدرتها على خدمة النَّاس بكفاءة واحترام. والمستهلك ليس الحلقة الأضعف في المعادلة، بل هو الغاية التي وُجدت من أجلها الخدمة. وعندما يغيب صوته، تتراجع الجودة وتضعف الثقة. أمَّا عندما يُسمع ويُحترم، فإنَّ الشكوى تتحوَّل إلى أداة إصلاح، وتصبح المحاسبة طريقًا للتطوير، لا سببًا للمواجهة.


