Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

قوة الاستغناء.. وسكينة الاكتفاء

A A
قوة الاستغناء لا تعني أن تنكر رغباتك، بل أن تريد لكن دون أن تُستَعبد، وأن تسعى لكن دون أن تربط قيمتك بالنتيجة. في هذا التوازن تنشأ راحة داخلية، لأنك صرت تعتمد على نظرتك الهادئة لنفسك، وعلى قدرتك على تقبُّل ما يحدث دون أن تنكسر.
تلتقي هذه الرؤية مع الفلسفة الرواقية؛ فالأحداث الخارجية متقلِّبة، أما الداخل فمجال الحرية والثبات. وقد لخص الفيلسوف الرواقي (سينيكا) ذلك بقوله: «ليس الغني من يملك الكثير، بل من يحتاج إلى القليل». فكلما خفَّ تعلّقك، اتّسعت حريتك.
إن الميل المفرط إلى الاجتماعية والاختلاط الدائم ليس صحيًّا، بل قد يرتبط بصعوبة تحمّل العزلة مع تعلُّق مرضي بالآخرين. فالعزلة الاختيارية تتطلب قدرة على الاستغناء، والتخلِّي، والاكتفاء بالنفس، وهي مهارة لا يتقنها كثيرون.
ليست العزلة نقيضًا للحياة، بل شرط لعمقها. فمن لا يحتمل نفسه، سيبحث عن الآخرين هربًا، لا اختيارًا. أما من يألف ذاته، فيلتقي بالناس دون أن يفقدها، ويمنح دون أن يستنزف، ويتحدث دون أن يثرثر، ويشرح دون أن يشتكي لمن لا يستطيع فهمه أو تقدير معاناته.
وحين تجعل ذاتك رصيدك الأهم، فإنك لا تنسحب من الآخرين، بل تعيد توجيه طاقتك نحو بناء داخلك، فيتغير حضورك بهدوء، ويقل طلبك للاهتمام، ويزداد ثقلك، ويصبح وجودك أكثر اتزانًا، وحضورك أكثر جذبًا.
إن طاقة الاحتياج تفضح يأسك ولهفتك، وهذا أمر منفِّر، بخلاف طاقة الاستغناء التي تتوقف معها عن المطاردة، فتُظهرك بمظهر المسترخي، وتُجنِّبك التعلُّق المفرط، وتدرّبك على عقلية الوفرة لا الفقر.
ففي هدوء استغنائك واكتفائك، لا يستند حضورك على طلب الانتباه والاهتمام، ولا تعود متاحًا على الدوام، ولا منفتحًا بكلك لكل أحد، بل تحتفظ بمساحة داخلية تخصّك وحدك، تمنحك عمقًا واستقرارًا. فالنضج النفسي هو أن تكون نفسك دون تكلُّف، وأن تضع حدودك دون اعتذار، وأن تبقى راضيًا عن نفسك.
وعلى النقيض، فإن التخفُّف من التعلُّق قد يمنح الإنسان مفارقة جميلة؛ إذ يجد سكينة لا تعتمد على وجود الآخرين أو غيابهم، ولا على قبولهم أو رفضهم. فالمسألة ليست إلغاء للمشاعر، بل تهدئتها. وعندها يدرك المرء أن السكينة لا تأتي مما يملك، بل مما أصبح عليه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store