Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
منى يوسف حمدان

حين تتحول الهوية الثقافية إلى محرك اقتصادي مستدام

A A
في الاقتصاد الحديث، لم تعد الثروات تُقاس بما تختزنه الأرضُ من موارد طبيعيَّة فحسب، بل بما تمتلكه الأممُ من قدرة على تحويل عناصر هويتها الثقافيَّة وموروثها الحضاريِّ إلى قيمة اقتصاديَّة مستدامة. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة مشروع “مدينة القهوة السعوديَّة” في منطقة الباحة، باعتباره نموذجًا متقدِّمًا للتحوُّل التنمويِّ الذي تقوده المملكة العربيَّة السعوديَّة في ظلِّ رُؤية 2030، حيث تتقاطع الثقافة مع الاقتصاد، ويتحوَّل المنتج المحلي من رمز تراثيٍّ إلى صناعة وطنيَّة ذات أبعاد استثماريَّة وتنمويَّة واسعة.
لقد أدركت المملكةُ مبكِّرًا أنَّ التنويع الاقتصادي لا يعني فقط استحداث قطاعات جديدة، بل يتطلَّب -أيضًا- إعادة اكتشاف المزايا النسبيَّة الكامنة في الجغرافيا والثقافة والموارد المحليَّة، وتطويرها وفق مفاهيم الاقتصاد الحديث. ومن هنا جاءت القهوة السعوديَّة بوصفها أحد أهم الأصول الثقافيَّة الوطنيَّة القابلة للتحوُّل إلى صناعة متكاملة ذات أثر اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ وسياحيٍّ ممتد.
وتشكِّل مدينة القهوة في الباحة، ترجمةً عمليَّةً لهذا التوجُّه الإستراتيجيِّ. فالمشروع لا يستهدف زيادة إنتاج البن السعوديِّ فحسب، بل يؤسِّس لمنظومة اقتصاديَّة متكاملة تشمل البحث والتطوير الزراعي، وإنتاج الشتلات، والتوسُّع في زراعة البن، والتصنيع الغذائي، وسلاسل الإمداد، والتسويق المحلي والعالمي، وصولًا إلى بناء علامة تجاريَّة سعوديَّة منافسة في سوق القهوة المتخصِّصة الذي يشهد نموًّا متسارعًا على المستوى الدولي.
ومن منظور اقتصاديٍّ، فإنَّ القيمة الحقيقيَّة للمشروع لا تكمن في حجم الإنتاج الزراعيِّ وحده، بل في القيمة المضافة التي يتم توليدها عبر كامل سلسلة الإنتاج. فكل مرحلة من مراحل صناعة القهوة تخلق فرصًا استثماريَّة جديدة، بدءًا من المزارع والمشاتل، مرورًا بمراكز المعالجة والتعبئة، وانتهاءً بالصناعات التحويليَّة والخدمات اللوجستيَّة والتسويق والتصدير. وهذه السلسلة المتكاملة تعني مضاعفة العائد الاقتصادي للمنتج الوطنيِّ، وتعزيز مساهمة القطاع الزراعيِّ في الناتج المحليِّ الإجماليِّ.
ويتجاوز أثر المشروع الجوانب الاقتصاديَّة المباشرة؛ ليشمل أبعادًا اجتماعيَّة وتنمويَّة مهمَّة، إذ يسهم في دعم المزارعين، وتمكين المجتمعات المحليَّة، وخلق فرص عمل نوعيَّة للشباب والشابات في مجالات الزراعة الحديثة، والتصنيع الغذائيِّ والتسويق والسياحة والخدمات المساندة.
ومن جانب آخر، تمثل مدينة القهوة فرصة واعدة لتطوير السياحة الزراعية والثقافية، وهي من الأنماط السياحية التي تشهد نموًّا عالميًّا ملحوظًا. فالقهوة السعوديَّة ليست مجرَّد محصول زراعي، بل قصة حضاريَّة متكاملة تعكس قيم الكرم والضيافة والأصالة التي ارتبطت بالمجتمع السعوديِّ عبر قرون طويلة.
وعلى المستوى الدوليِّ، ينسجم المشروع مع الجهود الوطنيَّة الرَّامية إلى تعزيز القوة الناعمة للمملكة. فكما استطاعت دول عديدة أنْ تبني سمعتها العالميَّة من خلال منتجات ارتبطت بهويتها الوطنيَّة، تمتلك المملكة اليوم فرصة حقيقيَّة لترسيخ حضور القهوة السعوديَّة كمنتج ثقافيٍّ واقتصاديٍّ يحمل اسم الوطن إلى الأسواق العالميَّة، ويعكس صورة المملكة الحديثة التي تجمع بين الأصالة والابتكار.
إنَّ مدينة القهوة السعوديَّة في الباحة ليست مشروعًا زراعيًّا بالمعنى التقليديِّ، بل مشروع وطني إستراتيجي يجسِّد فلسفة رُؤية 2030 في تحويل المقوِّمات المحليَّة إلى محرِّكات للنموِّ الاقتصاديِّ المستدام. وهي تؤكد أنَّ التنمية الحقيقيَّة تبدأ من استثمار الميزة التنافسيَّة لكل منطقة، ومن تحويل التراث إلى قيمة اقتصاديَّة، والثقافة إلى صناعة، والهوية الوطنيَّة إلى فرصة تنمويَّة قادرة على صناعة المستقبل.
وفي ظل هذا التحوُّل الكبير الذي تشهده المملكة، تبدو مدينة القهوة في الباحة نموذجًا ملهمًا لاقتصاد المستقبل؛ اقتصاد يستثمر الإنسان والمكان والثقافة في آنٍ واحدٍ، ويؤسس لمسار تنمويٍّ يجعل من المنتجات الوطنيَّة روافع اقتصاديَّة تسهم في تعزيز التنافسيَّة العالميَّة للمملكة، وترسيخ مكانتها كقوة اقتصاديَّة صاعدة، تمتلك رُؤية وطموحًا وطنيًّا لا حدود له.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store