تحرص الدول المتقدِّمة في عالم اليوم، على إيلاء الطلبة من ذوي القدرات الخاصة (الموهوبين) عناية فائقة، باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على صناعة الفارق في الاقتصاد، وبناء الميزة التنافسيَّة. فهذه الشريحة هي المحرِّك الرئيس للإبداع الفكريِّ، ومصدر الابتكارات والاكتشافات التي تسهم في تقدم الأمم.
وقد خطت الولايات المتحدة الأمريكيَّة، منذ سبعينيَّات القرن الماضي، خطوات رائدة في تطوير برامج تعليميَّة متخصِّصة لرعاية الموهوبين؛ ممَّا جعلها في طليعة الدول الداعمة لاكتشاف المواهب وتنميتها. ولم يقتصر هذا الاهتمام على سنِّ القوانين والأنظمة، بل امتدَّ إلى توفير دعم ماليٍّ ومعنويٍّ يعزِّز من قدرات الطالب الموهوب، ويحفِّز طاقاته الإبداعيَّة.
وعند تأمُّل النظام التعليمي الأمريكي، نجد أنَّه اعتمد مسارات تعليميَّة مرنة تلائم احتياجات هذه الفئة، من أبرزها: الالتحاق المبكِّر بالتعليم، وتخطِّي بعض المراحل الدراسيَّة فيما يُعرف بـ»الترفيع الاستثنائي»، وتسريع المناهج الدراسيَّة، إضافة إلى القبول المبكِّر في المراحل المتقدِّمة كالمرحلة الثانويَّة والجامعيَّة.
كما أنشأت الولايات المتحدة مؤسسات تعليميَّة متخصِّصة لرعاية الموهوبين، مثل مدرسة «توماس جيفرسون» الثانويَّة للعلوم والتكنولوجيا، ومدرسة «برونكس» الثانويَّة، حيث تقوم فلسفة التعليم فيها على الإثراء المعرفيِّ، وتقديم مناهج متقدِّمة في مجالات العلوم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، بما يسهم في تعميق الفهم وتنمية التفكير العلميِّ.
ولم يتوقف الأمر عند التعليم النظاميِّ، بل تم إنشاء مراكز وبرامج إثرائيَّة تُعنى بالطلبة الموهوبين خلال الإجازات، تقدِّم لهم أنشطة علميَّة مكثفة، وتتيح لهم فرص التقدُّم الأكاديميِّ السَّريع، واكتساب مهارات متقدِّمة في مجالات متعدِّدة.
وقد أثمرت هذه الجهود عن نماذج متميِّزة من الطلبة القادرين على الابتكار والإبداع، ومن أبرز الأمثلة قيام طلاب مدرسة «توماس جيفرسون» بتصميم قمر صناعي تعليمي أُطلق عام 2014م، في تجربة تعكس حجم الاستثمار الحقيقي في العقول الشابة.
وتشير البيانات الحديثة إلى أنَّ الاستثمار في رعاية الموهوبين لم يعد خيارًا تربويًّا، بل ضرورة إستراتيجيَّة. ففي المملكة العربيَّة السعوديَّة، شارك أكثر من 582 ألف طالب وطالبة في برامج الموهبة، وتم اكتشاف عشرات الآلاف من الموهوبين، كما حقق الطلبة السعوديون أكثر من 100 جائزة عالمية خلال عام واحد، في مؤشر واضح على جودة الاستثمار في العقول الشابَّة.
وعلى الصعيد الدولي، تؤكِّد الدراسات أنَّ الاقتصادات القائمة على المعرفة تعتمد بشكل رئيس على هذه الفئة، وأن اكتشاف الموهبة وتنميتها يرتبط بشكل مباشر بجودة التعليم والبيئة المحفِّزة للإبداع.
إنَّ هذه التجارب تؤكِّد أنَّ رعاية الموهوبين ليست ترفًا تربويًّا، بل ضرورة إستراتيجيَّة لبناء اقتصاد المعرفة. ومن هنا، فإنَّ تطوير برامج وطنيَّة شاملة لاكتشاف ورعاية الموهوبين، وتعزيز بيئات التعليم الداعمة للإبداع، يمثِّلان خطوة أساسيَّة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامةً.
وهذه الأرقام ليست مجرَّد مؤشِّرات رقميَّة، بل تعكس حقيقة جوهريَّة مفادها أنَّ الاستثمار في الموهبة هو الاستثمار الأعلى عائدًا في اقتصاد المعرفة.


