لم يكن اسمُ التوأم الفلبينيِّ «أوليفيا وجيانا» معروفًا للسعوديِّين قبل أشهر، لكنَّهما اليوم أصبحتا عنوانًا جديدًا لقصَّة نجاح سعوديَّة يتردَّد صداها داخل المملكة وخارجها، فبينما كانت الطفلتَانِ تخوضَانِ واحدةً من أصعب الرِّحلات الطبيَّة في حياتهما، كان السعوديُّون يتابعُونَ أخبارهما لحظةً بلحظةٍ، يترقَّبُون نهايةً سعيدةً لقصَّة إنسانيَّة جمعت بين العلم والرَّحمة، وبين الكفاءة الطبيَّة والرسالة الإنسانيَّة.
في الرِّياض الحبيبة.. بدأت رحلة «أوليفيا وجيانا» نحو حياةٍ جديدةٍ، فقد وصلت الطفلتَان إلى المملكة؛ تنفيذًا لتوجيهات القيادة الرَّشيدة، بعد أنْ قرَّرت الجهاتُ الطبيَّة المختصَّة دراسة حالتهما، وإمكانيَّة إجراء عمليَّة فصل دقيقة ومعقَّدة، ومنذ اللحظة الأُولى، انطلقت فرق طبيَّة متخصِّصة في إجراء الفحوصات والتَّحاليل اللازمة، ورسم الخطَّة الجراحيَّة المناسبة، في سباق مع الزَّمن من أجل منح الطفلتَين فرصةً لحياة طبيعيَّة ومستقلَّة.
وبعد ساعاتٍ طويلةٍ داخل غرفة العمليَّات، نجح الفريقُ الطبيُّ السعوديُّ في تحقيق الإنجاز المنتظر، معلنًا نجاح عمليَّة فصل التوأم المُلتصق، ولم يكن الخبرُ مجرَّد نجاحٍ طبيٍّ عابرٍ، بل تحوَّل سريعًا إلى مصدر فخر واسع لدى السعوديِّين الذين رأوا في هذا الإنجاز صورة حقيقيَّة لما وصلت إليه المنظومةُ الصحيَّة السعوديَّة من تطوُّر وكفاءة، وما تجسِّده المملكةُ من قيمٍ إنسانيَّة راسخة تتجاوز الحدود والجنسيَّات.
ولعلَّ ما يميِّز هذه القصَّة أنَّها ليست الأُولى من نوعها، بل تأتي امتدادًا لمسيرة طويلة من الإنجازات التي حقَّقها البرنامجُ السعوديُّ للتوائم المُلتصقة، والذي يُعدُّ اليوم واحدًا من أبرز البرامج الطبيَّة المتخصِّصة على مستوى العالم. فمنذ تأسيسه قبل أكثر من ثلاثة عقود، درس البرنامج أكثر من 150 حالةً لتوائم مُلتصقة من 28 دولةً، وأجرى عشرات العمليَّات الناجحة التي أعادت الأمل لأطفال وعائلات من مختلف أنحاء العالم، ومع نجاح عمليَّة أوليفيا وجيانا، ارتفع عدد عمليَّات الفصل النَّاجحة إلى أكثر من 70 عمليَّةً، وهو رقم يعكس حجم الخبرة المتراكمة التي باتت تمتلكها الكفاءاتُ الطبيَّة السعوديَّة في واحدٍ من أكثر التخصُّصات الجراحيَّة تعقيدًا.
لا تكمن أهميَّة النجاحات التي تحقِّقها السعوديَّة في هذا الجانب، بقيادة المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانيَّة، رئيس الفريق الطبيِّ والجراحيِّ التابع للبرنامج السعوديِّ للتوائم المُلتصقة الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة، في الجانب الطبيِّ فقط، بل في الرسالة الإنسانيَّة التي تحملها المملكةُ للعالم، فقد تحوَّلت قصص التوائم الذين عُولجوا في المملكة إلى جسور إنسانية، تربط السعودية بعشرات الدول، فكل طفل عاد إلى بلاده بعد نجاح عملية الفصل، حمل معه حكاية عن بلد فتح أبوابه للعلاج والأمل، وعن أطباء سعوديين سخروا خبراتهم؛ لإنقاذ حياة أطفال لم تجمعهم بهم سوى الإنسانية.
في النهاية.. ستصبحُ «أوليفيا وجيانا» سفيرتَين جديدتَين تحكيَان للعالم قصَّة وطنٍ جعل من الإنسانيَّة هويته، ومن التميُّز العلميِّ والمهنيِّ رسالته للعالمِينَ.


