Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

الهيئة الملكية للجبيل وينبع.. الجودة في التعليم والأولى بالتوظيف

A A
عندما يُذكر اسم الهيئة الملكيَّة للجبيل وينبع، يتبادر إلى الذهن مباشرةً ذلك النموذج السعودي الفريد الذي نجح في بناء مدن صناعيَّة عالميَّة، ومجمَّعات اقتصاديَّة ضخمة، وموانئ ومنشآت تُعدُّ من الأكبر والأكثر تطوُّرًا في المنطقة، غير أنَّ ما لا يدركه كثيرُون أنَّ خلف هذا النجاح الصناعيِّ قصَّة أُخرى لا تقلُّ أهميَّةً وتأثيرًا، وهي قصَّة الاستثمار في الإنسان، باعتباره الثَّروة الحقيقيَّة، والمحرِّك الأساس لكلِّ تنمية مُستدامة.
فمنذ تأسيس الهيئة الملكيَّة عام 1975، لم يكن التَّعليم بالنسبة لها مجرَّد خدمة عامَّة تُقدَّم لسكَّان المدن الصناعيَّة، بل كان جزءًا أصيلًا من فلسفة البناء والتَّنمية، فقد أدرك المؤسِّسون منذ وقت مبكِّر أنَّ المصانع يمكن تشييدها خلال سنوات، أمَّا إعداد الكفاءات البشريَّة القادرة على تشغيلها وإدارتها وتطويرها، فيحتاج إلى رُؤية بعيدة المدى، واستثمار مستمر في المعرفة والتأهيل.
ومن هنا نشأت منظومة تعليميَّة متكاملة، تُعدُّ اليوم من أبرز التجارب الوطنيَّة في الربط بين التَّعليم والتَّنمية الاقتصاديَّة، فقد امتدَّت هذه المنظومة من رياض الأطفال، والتَّعليم العام إلى الكليَّات والمعاهد التقنيَّة والصناعيَّة المتخصِّصة، في نموذج يعكس فهمًا عميقًا لاحتياجات التَّنمية ومتطلَّبات المستقبل.
وتضم مدن الهيئة الملكيَّة عشرات الآلاف من الطلبة والطالبات في مختلف المراحل التعليميَّة، إضافة إلى شبكة واسعة من المدارس والكليَّات والمعاهد التي تقدِّم برامج أكاديميَّة وتقنية متقدِّمة، والأهم من ذلك أنَّ هذه المؤسَّسات لم تُنشأ بمعزل عن احتياجات سوق العمل، بل صُمِّمت منذ البداية لتكون رافدًا رئيسًا للقطاعات الصناعيَّة والهندسيَّة والتقنيَّة، التي تمثِّل العمود الفقري للاقتصاد الوطنيِّ.
ولعلَّ ما يميِّز تجربة الهيئة الملكيَّة، أنَّها استطاعت تجاوز الفجوة التي تعاني منها كثير من المؤسَّسات التعليميَّة بين مخرجات التعليم ومتطلَّبات سوق العمل، فالبرامج الأكاديميَّة والتدريبيَّة فيها ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات القطاعات الإنتاجيَّة؛ ممَّا أسهم في تخريج أجيال من المهندسِين والفنيِّين والإداريِّين، الذين وجدوا فرصًا واعدةً في كُبرى الشركات الوطنيَّة والعالميَّة العاملة في المملكة.
وعلى مدى خمسة عقود، أسهمت كليَّات ومعاهد الهيئة الملكيَّة في إعداد آلاف الكفاءات السعوديَّة، التي شاركت في تشغيل وإدارة المشروعات الصناعيَّة الكُبرى، وأسهمت في توطين الخبرات، ونقل المعرفة، وبناء القدرات الوطنيَّة، ولهذا اكتسبت مخرجات الهيئة التعليميَّة سمعةً متميِّزةً، وثقةً عاليةً لدى جهات التوظيف، وأصبحت مثالًا ناجحًا على المواءمة بين التعليم والاقتصاد.
ولعل الأرقام تتحدَّث هنا بصورة أوضح من أيِّ وصف، فبحسب تقرير المرصد الوطنيِّ للعمل، حقَّقت كليَّات ومعاهد الهيئة الملكيَّة بينبع المركز الأوَّل على مستوى المملكة في مؤشر توظيف الخرِّيجين في سوق العمل لعام 2021، بنسبة توظيف بلغت 84%، كما حقَّقت المركز الأوَّل في سرعة توظيف الخرِّيجين خلال السنة الأولى بعد التخرُّج، وفي الجبيل، تشير بيانات كليَّة الجبيل الصناعيَّة إلى أنَّ نسبة توظيف خرِّيجيها بلغت نحو 89%، وهي من أعلى النسب المسجَّلة بين المؤسَّسات التعليميَّة التقنيَّة والصناعيَّة في المملكة.
إنَّ السؤال الحقيقي ليس كم مدرسة، أو كليَّة أنشأتها الهيئة الملكيَّة، بل كم قصَّة نجاح صنعت؟ وكم شابًّا وشابَّةً من أبناء الوطن أُتيحت لهم فرصة بناء مستقبلهم، والمساهمة في تنمية بلادهم بفضل هذه المنظومة التعليميَّة المتكاملة؟ فالأثر الحقيقيُّ للتَّعليم لا يُقَاس بعدد المباني، وإنَّما بما يحققه من تحوُّل في حياة الأفراد والمجتمعات.
وخلال زيارتنا للهيئة الملكيَّة بينبع والجبيل، واطِّلاعنا على العديد من مبادراتها وبرامجها، لمست جانبًا آخر لا يقلُّ أهميَّة عن الإنجازات التعليميَّة والصناعيَّة، وهو التحوُّل الملحوظ في نهج الانفتاح والتواصل مع مؤسَّسات المجتمع، وخاصة المؤسَّسات التعليميَّة والجامعات، وقد برز هذا التوجه بصورة واضحة في عهد الرئيس التنفيذي للهيئة الملكيَّة للجبيل وينبع معالي المهندس خالد السالم، الذي أحدث نقلةً نوعيَّةً في الفكر المؤسسيِّ من خلال تعزيز الشراكات والتواصل وتبادل الخبرات.
فبعد أنْ كانت الهيئة، في نظر الكثيرين، تعمل بصورة أكثر انعزالًا عن محيطها الأكاديميِّ والمجتمعيِّ، أصبحت اليوم أكثر انفتاحًا على الجامعات والكليَّات والجهات التعليميَّة، تفتح أبوابها للزِّيارات واللقاءات وتبادل التجارب، إيمانًا منها بأنَّ النجاح يتعزَّز بالشراكة والتكامل لا بالعمل المنفرد، وقد عشتُ هذا التحوُّل بنفسي، ولمستُه من خلال ما وجدتُه من ترحيبٍ وتعاونٍ ورغبةٍ صادقةٍ في بناء جسور التواصل مع المؤسَّسات التعليميَّة.
وعندما تتصدَّر مؤسَّسات تعليميَّة مؤشِّرات التَّوظيف ومستويات الأجور على مستوى المملكة، فإنَّ ذلك لا يمثِّل نجاحًا أكاديميًّا فحسب، بل يعكس نجاح رُؤية تنمويَّة متكاملة أدركت مبكرًا أنَّ الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه.
واليوم، وبعد خمسين عامًا من العطاء والإنجاز، يمكن القول بثقة إنَّ أعظم ما شيدته الهيئة الملكية للجبيل وينبع ليس المصانع، ولا الموانئ، ولا المدن الحديثة، بل الإنسان السعودي المؤهل، القادر على قيادة التنمية واستدامتها، وهذا هو الإنجاز الذي يبقى أثره، وتتوارثه الأجيال، ويصنع مستقبل الوطن.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store