ففي جبال جازان، حيث تتوزع القرى الحجرية على السفوح وتتشبث المدرجات الزراعية بجغرافيا قاسية صمدت لقرون، يتراجع اليوم أخطر أشكال الإرث غير المرئي؛ الذاكرة الشفهية التي كانت تحفظ أسماء الأماكن ومساراتها وحكاياتها اليومية. ومع رحيل الجيل الذي عاش تلك التفاصيل، يتلاشى تاريخ كامل لم يدون.
يقول جابر المالكي، أحد المهتمين بالتراث في محافظة الدائر، لـ"المدينة": "إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تآكل المباني، بل في ضياع الذاكرة الشفهية التي تحفظ أسماء المواقع والحكايات والعادات المرتبطة بالمكان"، مؤكدًا أن توثيق هذا الإرث ضرورة ملحة قبل أن يختفي مع حامليه.
ومع انتقال السكان إلى المدن وتغير أنماط الحياة، اتسعت الفجوة بين المكان وتاريخه، وبات كثير من تفاصيله محفوظًا في ذاكرة أفراد قلّة يرحلون تدريجيًا دون أن يدون ما يحملونه من معرفة.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى فقدان جزء مهم من الهوية الثقافية للقرى الجبلية الأثرية، داعين إلى إطلاق مشاريع توثيق عاجلة للروايات الشفهية وأسماء المواقع والقصص المرتبطة بها قبل اندثارها.
ومع هذا المشهد، تبقى القرى الجبلية الأثرية شاهدة على تاريخ طويل، فيما يختفي من يرويه.


