Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

عندما يتحول الاحتلال إلى أزمة دبلوماسية

A A
على مدى عقود، استطاعت إسرائيل بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، مستفيدة من تحالفات سياسية واقتصادية وأمنية؛ منحتها مساحة كبيرة للمناورة. لكن هذه المساحة بدأت تضيق مع تصاعد الأسئلة حول مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتحوَّل ملف الاحتلال من قضية إقليمية إلى اختبار عالمي يرتبط بالقانون الدولي وحقوق الإنسان؛ ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط.
الأزمات الدبلوماسية التي تواجهها إسرائيل اليوم؛ لا تبدو منفصلة عن بعضها، إنما ترتبط بجذرٍ واحد؛ وهو استمرار الصراع دون حل سياسي قادر على إنهاء حالة عدم الاستقرار. فكلما طال أمد الاحتلال وتراجعت فرص التسوية، انتقل أثر الأزمة من الميدان إلى العواصم والمنظمات الدولية.
في الأمم المتحدة، ظهر حجم التوتر مع تداعيات ملف القائمة السوداء؛ المرتبطة بالجهات المتهمة بالمساهمة في انتهاكات ضد الفلسطينيين. رد الفعل الإسرائيلي الحاد تجاه المؤسسة الدولية؛ يعكس شعوراً متزايداً بأن الأدوات الدبلوماسية التقليدية أصبحت أقل قدرة على حماية الرواية الإسرائيلية؛ أمام تنامي الانتقادات الدولية.
أما العلاقة مع الولايات المتحدة، الحليف الأهم لإسرائيل، فتدخل مرحلة أكثر تعقيداً؛ حيث لم تعد النقاشات تتركز فقط حول الدعم السياسي والأمني، وإنما حول تأثير سياسات حكومة نتنياهو على ملفات إقليمية أوسع. فالدول الكبرى تقرأ الاستقرار من زاوية المصالح طويلة المدى، وأي تحرك يهدد فرص التهدئة أو يوسع دائرة المواجهة يصبح محل مراجعة.
في أوروبا، يتسع النقاش حول التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، مع توجُّه بعض الدول نحو إجراءات اقتصادية وسياسية تحمل رسالة بأن استمرار التوسع الاستيطاني يضعف فرص تحقيق حل الدولتين. هذه التحولات تكشف تغيُّراً في طريقة تعامل بعض العواصم مع القضية الفلسطينية؛ من الاكتفاء بالمواقف السياسية إلى محاولة استخدام أدوات عملية للضغط.
حتى الخطاب السياسي عبر المنصات الرقمية؛ أصبح ساحة مواجهة جديدة، بعدما شهدت العلاقات الإسرائيلية الأوروبية سجالات حادة حول توصيف واقع الفلسطينيين ومستقبل السلام. فالجدل حول المصطلحات يعكس خلافاً أعمق حول طبيعة العلاقة المطلوبة بين إسرائيل والفلسطينيين، وحول ما إذا كان الأمن يمكن أن يتحقق عبر إدارة الصراع أو عبر إنهاء أسبابه.
المشهد الحالي يشير إلى أن إسرائيل تواجه أزمة تتجاوز حدود العلاقات العامة؛ أو الخلافات الدبلوماسية المؤقتة. القضية الأساسية ترتبط بسؤال أكبر: كيف يمكن بناء استقرار دائم في منطقة يعيش فيها شعب تحت الاحتلال؛ ويطالب بحقوقه السياسية والوطنية؟.
ستبقى المنطقة معرَّضة لمزيد من التوتر ما دام الاحتلال قائماً، وما دامت الحقوق الفلسطينية غائبة عن أي مسار سياسي جاد. فالسلام لا يصنعه توازن القوة وحده، إنما تصنعه معالجة جذور النزاع، وضمان حقوق الشعوب، وإيجاد حل عادل يفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً للمنطقة بأكملها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store