Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

جدة.. ذاكرة وطن تنبض بالحياة

A A
مخطئ من يتصور أن المدن مجرد شوارع ومبانٍ وأسواق، انها ذاكرة حية تختزن قصص الناس وتحولات الزمن، وتحفظ في تفاصيلها ملامح الهوية الوطنية للأمم، ومن بين مدن المملكة العربية السعودية، تتفرد جدة بمكانة استثنائية جعلتها شاهدًا على قرون من التواصل الحضاري والإنساني، وميناءً احتضن ثقافات متعددة انصهرت في نسيج اجتماعي سعودي أصيل.
وفي ظل النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة اليوم، تتعاظم الجهود الرامية إلى صون هذا الإرث الثمين وتوثيقه، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن التراث ليس بقايا من الماضي، بل ركيزة أساسية لبناء المستقبل وتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الهوية الثقافية للأجيال القادمة.
شكّلت جدة، منذ القرن السابع الميلادي، بوابة الحرمين الشريفين وميناءً رئيسًا للحجاج والتجار القادمين من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي منحها خصوصية اجتماعية وثقافية فريدة، وجعلها نموذجًا حيًّا للتفاعل الإنساني والتبادل الحضاري، واليوم، تتجسد عناية القيادة الرشيدة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- بهذا الإرث العريق في المشاريع الوطنية الكبرى التي تهدف إلى توثيق الذاكرة الاجتماعية للمدينة وإحياء تراثها العمراني والثقافي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
تُعد «جدة التاريخية» أو «البلد» القلب النابض لهذا الإرث، حيث تضم أكثر من 600 مبنى تراثي، و36 مسجدًا تاريخيًا، و5 أسواق رئيسة عريقة، إلى جانب الأزقة والساحات التي تختزن قصص الأجيال المتعاقبة وتحمل ملامح الحياة الاجتماعية القديمة، وقد أدرجت منظمة اليونسكو المنطقة ضمن قائمة التراث العالمي عام 2014، اعترافًا بقيمتها الإنسانية والاستثنائية بوصفها بوابةً إلى مكة المكرمة ومركزًا تاريخيًا للتبادل التجاري والثقافي.
ومن أبرز مظاهر الاهتمام السعودي بالتراث العمراني إطلاق مشروع «إعادة إحياء جدة التاريخية» عام 2021، الذي يهدف إلى تحويل المنطقة إلى وجهة ثقافية عالمية ومركز نابض بالحياة والإبداع، وقد أثمرت هذه الجهود عن إنجازات ملموسة؛ إذ اكتملت أعمال تدعيم وإنقاذ العديد من المباني بدعم سخي من حكومة خادم الحرمين الشريفين، كما أُنجزت أعمال ترميم وتأهيل عشرات المباني التراثية للحفاظ على طابعها المعماري الفريد الذي يعود بعضه إلى أكثر من خمسة قرون.
ولا يقتصر الاهتمام على الحجر وحده، بل يمتد إلى الإنسان والذاكرة والموروث الشعبي، فالمملكة تعمل على توثيق الحكايات الاجتماعية والعادات والتقاليد المرتبطة بجدة القديمة، وإبراز عناصر الثقافة المحلية التي شكّلت هوية المكان عبر الزمن، لتتحول إلى معلم سياحي ثقافي سعودي فريد.
ستبقى جدة، بأحيائها القديمة وأسواقها العتيقة ووجوه أهلها وذكرياتهم، كتابًا مفتوحًا يروي قصة وطن يعتز بتاريخه، ويجعل من الثقافة والتراث ركيزة أساسية في مسيرة نهضته الشاملة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store