Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

لماذا نؤجل سعادتنا؟!

A A
لعل أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في حياتنا؛ أننا نربط سعادتنا دائماً بما لم يحدث بعد. نعتقد أن الفرح ينتظرنا في وظيفة أفضل، أو منزل أكبر، أو راتب أعلى، أو نجاح قادم. فنعيش أعمارنا ونحن نطارد المستقبل، بينما تمر أجمل لحظات الحاضر بصمت. ومع مرور السنوات نكتشف أن الحياة لم تكن في المحطة التي كنا ننتظر الوصول إليها، بل كانت في الطريق نفسه، وفي التفاصيل الصغيرة التي عبرناها دون أن نعيرها ما تستحق من اهتمام.
كم من الأعمار تمضي ونحن نعيش على وعدٍ مؤجل! ننتظر الترقية المنتظرة، أو المشروع القادم، أو الظروف المثالية التي نعتقد أنها ستمنحنا الرضا الكامل. وبينما ننشغل بمطاردة الغد، تتسرب الأيام بهدوء، وتغادرنا لحظات ثمينة لن تتكرر.
وحين نسترجع شريط العمر، نكتشف أن أجمل اللحظات لم تكن تلك التي انتظرناها طويلاً، بل تلك التي عشناها بعفوية وبساطة؛ جلسة دافئة مع الأسرة، وصديق قديم جمعنا به حديث عابر، ورسالة اطمئنان وصلت في وقتها، وطريق اعتدنا المرور به كل صباح. تلك التفاصيل الصغيرة التي بدت عادية، كانت في حقيقتها، نسيج الحياة وجوهرها.
ولعلنا نجد هذا المعنى واضحاً في حياة كثير من الناس. فكم من موظف كان يترقب التقاعد ظناً منه أنه بداية الراحة والسعادة، ثم أدرك أن أجمل ما في رحلته المهنية لم يكن نهايتها، بل أيامها نفسها بما حملته من إنجازات وعلاقات وتجارب إنسانية. وكم من طالب كان يعد الأيام حتى التخرج، ثم اكتشف لاحقاً أن سنوات الدراسة بما حفلت به من أحلام وصداقات وذكريات؛ كانت من أبهى مراحل العمر.
إن المشكلة ليست في الطموح، فالحياة بلا أحلام تفقد كثيراً من معناها، وإنما في أن يتحول المستقبل إلى وطن نسكنه، بينما نهجر الحاضر الذي نعيش فيه. عندها ننشغل بما ينقصنا أكثر مما نفرح بما نملكه، ونرى ما هو بعيد بوضوح، بينما نعجز عن رؤية النعم القريبة.
وقد أكدت دراسات علم النفس الإيجابي أن الامتنان وممارسة الوعي بالحاضر؛ من أكثر العوامل ارتباطاً بالشعور بالرضا والسعادة. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى أحداث استثنائية ليشعر بالبهجة؛ بل يكفيه أن يتأمل ما حوله بعين تقدّر النعم وتستشعر الجمال في تفاصيل الحياة اليومية.
لذلك، ربما لا تكمن الحكمة في مطاردة الحياة، بل في معايشتها. أن نتوقف قليلاً لننصت إلى ما تقوله اللحظة الراهنة، وأن نمنح تفاصيل أيامنا ما تستحقه من اهتمام. فالسعادة ليست محطة نصل إليها بعد سنوات، بل أسلوب حياة يبدأ من قدرتنا على تقدير ما نعيشه الآن.
إن أجمل ما في الحياة أنها لا تنتظرنا في الغد، بل تمنح نفسها لنا كل يوم. ومن يدرك قيمة الحاضر، يعلم أن الحياة لم تكن يوماً مؤجلة، وإنما كانت تسير إلى جواره منذ البداية، تنتظر فقط أن يلتفت إليها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store