وكعادته في مقاربة الكتلة بوصفها كائناً بصرياً يحمل ذاكرة ومعنى، قدّم الثقفي عملاً نحتياً معاصراً مكوّناً من قطعتين، يستند في جوهره إلى فكرة الثنائيات؛ لا بوصفها تضاداً مغلقاً، بل باعتبارها علاقة توتر وتكامل بين طرفين يتجاوران دون أن يلغى أحدهما الآخر. فالعمل يقرأ الوجود من خلال ازدواجياته الكبرى: الصلابة والليونة، النعومة والخشونة ، الحضور والغياب، الجرح والالتئام، كما لو أن الحجر لا يقول شكله فحسب، بل يصغي إلى ما تخفيه المادة من طبقات روحية وفكرية.
وتكشف مشاركة الثقفي عن حضور سعودي معاصر في المشهد النحتي الدولي، حضور لا يعتمد على التمثيل الشكلي أو الفولكلوري، بل ينطلق من تجربة فنية تراكمية ترى في النحت وسيلة للتفكير في الوجود والمكان والهوية. فالحجر في تجربة الثقفي ليس مادة صامتة، بل ذاكرة مفتوحة، والكتلة ليست حجماً ساكناً، بل سؤالاً يتشكل في الفراغ.
ويأتي ملتقى "ميدلت" الدولي للنحت بوصفه منصة مهمة لتبادل التجارب بين الفنانين، حيث تتجاور المدارس والخبرات والرؤى، وتتحول الورشة المفتوحة إلى مختبر بصري للحوار بين الثقافات. وفي هذا السياق، يضيف الثقفي إلى مشاركته بعداً نقدياً خاصاً، من خلال عمل يعيد النظر في معنى الثنائية، لا كحدّ فاصل بين شيئين، بل كجسر خفي بينهما.
بهذه المشاركة، يواصل محمد الثقفي ترسيخ حضوره في المحافل الفنية الدولية، مقدماً صورة للفنان السعودي المعاصر الذي لا يكتفي بالحضور، بل يسهم في صياغة خطاب بصري قادر على مخاطبة العالم بلغة الحجر، وبحساسية تجمع بين التأمل الفلسفي والبحث الجمالي .


