Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

أشخاص في حياتنا.. ليسوا صدفة

A A
أصبحتُ أؤمنُ -مع مرور السَّنوات- أنَّ ليس كلُّ مَن يدخل حياتنا كُتب له أنْ يبقى فيها. هناك أشخاصٌ يحضرُون لفترة قصيرة جدًّا، وكأنَّ مهمَّتهم تقتصرُ على كلمة، أو نصيحة، أو درس نتعلَّمه منهم، ثمَّ يكملُ كلٌّ منَّا طريقَهُ.
في الماضي كنتُ أستغربُ من العلاقات التي تنتهي بسرعة، أو من الأشخاص الذين يظهرُون فجأةً، ثمَّ يختفُونَ دون مقدِّمات. كنتُ أبحثُ دائمًا عن سببٍ منطقيٍّ لبقائهم أو رحيلهم. لكنَّ الحياةَ علَّمتنِي أنَّ بعض النَّاس ليسُوا محطَّةً دائمةً، بل إشارات على الطريق.
ربَّما يأتي شخصٌ ليمنحك فكرةً تغيِّرُ مسارك المهنيَّ بالكامل، أو نصيحةً تنقذُك من قرارٍ خاطئٍ، أو موقفًا يجعلُك ترى نفسك بصورةٍ مختلفةٍ. وربَّما يأتي آخرُ ليعلِّمك درسًا قاسيًا عن الثِّقة أو الصَّبر أو التعلُّق. في كلِّ الأحوال، يبقى الأثر حتَّى لو رحل صاحبُه.
أنا بطبيعتي شخصٌ متأمِّلٌ. منذ طفولتي وأنا أحبُّ اللَّيلَ والنُّجومَ. كنتُ دائمًا أجدُ في السَّماء شيئًا يدفعنِي للتفكير. كل نجمة تبدُو وكأنَّها قصَّة مستقلَّة، تلمع للحظات طويلة، ثمَّ تختفي، لكنَّها تظلُّ موجودةً في مكانها. وربَّما يشبه البشرُ النجومَ أكثر ممَّا نتخيَّل، بعضُهم يضيءُ جزءًا من حياتِنَا ثمَّ يبتعد، لكنَّ الضوء الذي تركه يبقى معنا.
ولهذا أتذكَّرُ دائمًا عبارةً كتبتُهَا ذات ليلةٍ وأنا أحدِّقُ في السَّماء: «أنَا متفائلةٌ بغدٍ أكثرَ إشراقًا. حتَّى لو سقطَ نجمِي اليوم، فأنَا على يقينٍ بأنَّه سيضيءُ مِن جديدٍ غدًا». وربَّما لهذا السَّبب أؤمنُ أنَّ الغياب ليس نهاية كلِّ شيءٍ، وأنَّ ما ينطفئ اليوم، قد يعود أكثر إشراقًا غدًا، سواء كان حلمًا، أو علاقة، أو حتى جزءًا من أنفسنا ظنَّنا أنَّنا فقدنَاهُ.
ومع الوقتِ أدركتُ أنَّ الحكمة ليست في التمسُّك بكلِّ مَن يمرُّ بنا، بل في فهم الرسالة التي جاء يحملها.
ليس كلُّ الرَّاحلِينَ أشرارًا، وليس كلُّ الباقِينَ جيِّدِينَ. هناك أشخاصٌ كانت مهمَّتهم أنْ يعطوك درسًا، ثم يغادرُوا، ولو بقوا ربَّما لما تعلَّمت شيئًا.
لهذا أصبحتُ أقلَّ خوفًا من النهايات. ما دام الإنسانُ يخرج من التجربة أكثرَ فهمًا ونضجًا، فقد ربحَ شيئًا ثمينًا. فالحياةُ لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين بقوا معنا، بل بما تعلَّمناه منهم قبل أنْ يكملوا طريقهم.
ربَّما لهذا السبب ما زلتُ أؤمنُ أنَّ كلَّ ما يحدثُ لنا يحملُ معنًى، حتَّى وإنْ لم نفهمه في حينه. فالحياةُ لا تأخذ منَّا شيئًا دونَ أنْ تمنحنا درسًا يقودُنا إلى نسخةٍ أكثر نضجًا من أنفسنا.
* من النافذة:
بعضُ الأشخاصِ لا يأتُونَ ليبقُوا، بلْ يأتُونَ ليتركُوا أثرًا لا يرحلُ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store