لا تكمن أزمة التعليم في تعديل تقويم، أو زيادة حصَّة، بل في فجوة جوهريَّة بين الغايات المعلنة، والأدوات المطبَّقة. فما زال الخطاب التربوي يؤكِّد على بناء «الإنسان المبتكر»، بينما تسير آليَّات التنفيذ وفق عقليَّة إداريَّة تركِّز على الإجراء والتعميم، وتقيس النجاح بالكم لا بالكيف.
أدَّى التقطيع الزمني المفرط، إلى إرباك العمليَّة التعليميَّة. فما إنْ يبدأ الطالب في الاستيعاب والربط، حتى تفصله إجازة طويلة، فيعود وقد فَقَدَ أغلب المكتسبات المعرفيَّة. وهكذا يتحوَّل الهدف من «الفهم» إلى «اللِّحاق بالمنهج».
طغت ثقافة الحشو المعرفي على حساب بناء المهارات. فالمناهج الحاليَّة تقدِّم للطالب كمًّا هائلًا من المحتوى، دون أنْ تمنحه مساحة كافية للتساؤل والتحليل، وربط العلوم بواقعه. النتيجة طالب مجيد للحفظ، لكنَّه أقل قدرةً على التفكير النقديِّ، وطرح البدائل.
لا يزال التعامل مع هيئة التعليم يرتكز على معايير وظيفيَّة تقليديَّة تركِّز على الالتزام بالإجراء. وهذا الأسلوب يحدُّ من مساحة الاجتهاد المهنيِّ للمعلِّم، ويجعل المدرسة حبيسة التقارير والنماذج، بدل أنْ تكون فضاءً للحوار والإبداع.
إنَّ التجارب العالميَّة والمحليَّة تؤكِّد أنَّ الإصلاح التدريجي في المنظومات المتراكمة لا يحقِّق النقلة المطلوبة. لذا فإنَّ التغيير الفاعل يستند إلى ثلاثة مرتكزات متزامنة:
1- استعادة الإجازة السنويَّة المتَّصلة؛ بما يضمن استقرارًا تعليميًّا للطالب. وفي المقابل، تتحوَّل هذه المدة إلى برنامج وطنيٍّ مكثَّف لتطوير المعلِّمين مهنيًّا، يركِّز على مهارات إدارة الحوار، وطرح الأسئلة المفتوحة، وقيادة النقاش الصفيِّ بما يتوافق مع أهداف رُؤية 2030.
2- تخفيف المحتوى الدراسيِّ بنسبة مدروسة، وإعادة صياغته وفق هدف إستراتيجيٍّ واحد هو «تنمية الوعي النقديِّ والتفكير الإبداعيِّ». فتصبح العلوم قائمة على التجربة، والرياضيات على حل المشكلات الواقعيَّة، واللغات على تحليل النصِّ وبناء الرَّأي.
3- التاريخ الإداري للمملكة يثبت أنَّ التحوُّلات الكبرى تبدأ بقرار يعيد تعريف معايير قيادة المدارس، ويفوِّض الصلاحيَّات للمدير، والمعلِّم المهنيِّ، ويربط تقييم الأداء بالأثر التربويِّ على الطالب لا بمطابقة الإجراء.
كل المؤشِّرات الكميَّة قابلة للتحسين الظاهريِّ، إلَّا مؤشرًا واحدًا لا يحتمل التجميل: إقبال الطالب على مدرسته، وشوقه ليومه الدراسي. فمتى رأينا في عين الطالب لهفة للتعلُّم، لا خوفًا من الاختبار، نكون قد انتقلنا من «تعليم التلقين» إلى «تعليم بناء الإنسان»، وهو الهدف الأسمى لرُؤية وطننا الطَّموح.


