Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

مذكرة الستين يوما: طوق النجاة لشرايين الاقتصاد العالمي

A A
لا يمكن قراءة مذكرة التَّفاهم الأخيرة، بوصفها حدثًا عابرًا في أجندة الدبلوماسيَّة الدوليَّة، والتي لعبت فيها باكستان وقطر دورًا بارزًا وكبيرًا، بل هي أقرب إلى إعلان إستراتيجيٍّ يضع حدًّا لتصعيد مسلَّح طالما حبس العالم أنفاسه من تداعياته الخطيرة على شرايين الملاحة الدوليَّة، وإمدادات الطاقة في الممرَّات المائيَّة الأكثر حساسيَّة على كوكب الأرض. نحن اليوم أمام مشهد تاريخيٍّ يعيد صياغة قواعد اللُّعبة بالكامل، مشهد برهن فيه الوعي السياسيُّ المتزنُ على مقدرة عالية وحنكة مشهودة في تفكيك العُقد الأكثر تعقيدًا، حيث تبرز مهلة السِّتين يومًا الممنوحة للمفاوضات التفصيليَّة ليس كجدول زمنيٍّ مجرَّد، وإنَّما كمختبر حقيقيٍّ لبناء الثقة واختبار النوايا، ومنح الخبراء فرصة لصياغة بنود قانونيَّة وسياسيَّة قابلة للحياة، بعيدًا عن سياسة «المسكِّنات المؤقَّتة» التي لم تعدْ تُجدي نفعًا في إقليم مثقل بالأزمات المتراكمة التي هدَّدت عصب التِّجارة الدوليَّة.
وفي هذا السِّياق، جاء بيان وزارة الخارجيَّة السعوديَّة ليمثِّل المرجعيَّة الإستراتيجيَّة بأبعاد حكيمة، ورُؤية ثاقبة، حيث عكس البيان تطلُّعًا حثيثًا نحو الوصول إلى اتِّفاق دائم وشامل، يضمن أمن الملاحة وحريتها المطلقة في مضيق هرمز، ودعوة الكافَّة للعودة إلى وضع ما قبل الثامن والعشرين من فبراير. إنَّ هذا الموقف الرَّسمي يفرض ثوابت راسخة في احترام سيادة الدول وحماية المقدَّرات الإقليميَّة من العبث، ويترجم في جوهره الثقل النوعي كصانع حقيقيٍّ للسلام والاستقرار، ونأيًا بالمنطقة عن الصِّراعات التدميريَّة.
هذا الانفراج المفاجئ لا تقتصر مفاعيله الحيويَّة على أطرافه المباشرة فحسب، فالهدوء في هذه البقعة الجغرافيَّة يشبه حجر الدومينو الذي يمتد أثره الإيجابيُّ فورًا، وبشكل مباشر إلى أمن العالم واقتصاده المُنهك، جرَّاء الأزمات المتلاحقة. ولعلَّ الحقيقة الثابتة خلف الستار، هي أنَّ هذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق يمثِّل نموذجًا ملهمًا للهندسة السياسيَّة التي نجحت في تهيئة الأرضيَّة الصلبة، وبناء جسور الثقة المتينة بين الأطراف المتباعدة، معتمدة على قنوات تواصل موثوقة لتقليص الفجوات، ومساندة لوجستيَّة ودبلوماسيَّة ذكيَّة لتسهيل قنوات الحوار التمهيدي الذي مهَّد لهذا الاتفاق.
إنَّ استقرار هذه المنطقة يعني مباشرة تأمين تدفُّقات النفط والغاز، وخفض تكاليف الشَّحن والتَّأمين البحريِّ؛ ممَّا ينعكس إيجابًا على كبح جماح التضخُّم العالميِّ الذي أثقل كاهل الأسواق العالميَّة الناشئة والمتقدِّمة، ويعيد الطمأنينة للمستثمرِين وصنَّاع القرار الماليِّ في شتَّى بقاع الأرض.
إنَّ تضافر هذه الجهود المباركة التي رسم معالمها بيان وزارة الخارجيَّة بوعي وحزم، يضع المجتمع الدولي اليوم أمام فرصة ذهبيَّة تاريخيَّة قد لا تتكرَّر في المدى المنظور، فمهلة الستين يومًا المقبلة هي النافذة الحقيقيَّة التي فُتحت ليعبر الجميع منها بأمان نحو مرحلة جديدة قوامها الأمن المشترك، والازدهار الاقتصاديِّ، والتعاون الإقليميِّ والدوليِّ الذي تستحقه شعوب المنطقة والعالم بأسره؛ لتستعيد الأسواق العالميَّة توازنها، ويسترد النمو الاقتصادي العالمي عافيته المفقودة، وينطلق قطاع المال والأعمال نحو آفاق أرحب من التنمية والإنتاج المُستدامَين.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store