Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

صانع الأزمات العائلية

A A
تتحوَّل الثَّروات العائليَّة في كثير من الأحيان من مصدر استقرار إلى ساحة نزاع معقَّدة، عندما يظهر في المشهد ما يمكن وصفه مجازًا بـ»صانع الأزمات» داخل العائلة. هذا الوارث «النِكِد»، لا يكتفي بتعطيل الإجراءات وإثارة الإشكالات، بل يخلق حالةً مستمرَّةً من التوتر القانونيِّ والاجتماعيِّ، تجعل توزيع الإرث مسألةً حرجةً، ومؤجَّلةً إلى أجل غير معلوم.
المشكلة لا تكمن في وجود خلاف بين الورثة -فذلك أمر قد يكون طبيعيًّا في كثير من الحالات- وإنَّما في تحوُّل أحد الورثة إلى عنصر توتر دائم داخل العائلة، هذا النوع من الورثة قد لا يرفض القسمة صراحةً، لكنَّه لا يقبلها إلَّا وفق هواه، فتارة نجده يطلب إعادة التَّقييم، ثمَّ يعترض على النتائج، ثمَّ يقترح حلولًا بديلة لا نهائيَّة، وتارة يرفض التوقيع على إجراءات القسمة، أو يُثير اعتراضات شكليَّة على التقييمات، أو يطلب إعادة النَّظر في كل خطوة، وهكذا؛ ممَّا يؤدِّي إلى تعطيل مستمر تحت غطاء «الحرص على مصلحته».
في الواقع القضائيِّ السعوديِّ، تعاملت المحاكم مع حالات تعطيل تقسيم التركة بحزم ووضوح، إذ يُعتبر تأخير أحد الورثة، أو مماطلته في إتمام إجراءات القسمة «تعسفًا في استعمال الحق»؛ ممَّا يترتب عليه مسؤوليَّة قانونيَّة قد تصل إلى إلزامه بدفع تعويض للمتضرِّرين من الورثة. فعلى سبيل المثال، إذا قام أحد الورثة بالمماطلة في توقيع أوراق القسمة، أو الاعتراض المتكرِّر دون مبرر على التقييمات، ونتج عن ذلك تعطيل توزيع التركة لفترة طويلة، فإنَّ المحكمة قد تصدر حكمًا بتعويض بقيَّة الورثة عن الضَّرر الماليِّ والمعنويِّ الذي لحق بهم نتيجة هذا السلوك. وقد شهد الواقع قضايا مشابهة، حيث قضت إحدى المحاكم بإلزام أحد الورثة بدفع تعويضات لإخوته، بعد أنْ تسبَّب في تعطيل بيع عقار ورثوه معًا لعدَّة سنوات، ممَّا أدَّى إلى حرمانهم من فرص استثماريَّة كبيرة، وفوَّت عليهم إمكانيَّة الاستفادة من نصيبهم في التركة طوال تلك الفترة.
وانطلاقًا ممَّا سبق، فإنَّ التعامل مع هذا النوع من الورثة يتطلَّب مزيجًا من الحزم القانونيِّ والحكمة العمليَّة، وأوَّل خطوة هي «تجفيف منابع التعطيل» عبر توثيق جميع الإجراءات رسميًّا، وطلب «حصر التركة» بشكل دقيق من الجهات المختصَّة، بما يشمل كشف الحسابات والأصول، يلي ذلك اللجوء إلى «دعوى القسمة الجبريَّة» أمام المحكمة المختصَّة، وهي أداة فعَّالة تُمكِّن القاضي من إنهاء النزاع، سواء بالقسمة العينيَّة إنْ أمكن، أو ببيع الأصول وتوزيع قيمتها.
أمَّا على المستوى العمليِّ، فإنَّ من الخطأ الشَّائع مجاملة الوارث المُعطِّل، أو تركه دون مواجهة لمدة طويلة؛ لأنَّ ذلك يُعزِّز سلوكه المعطَّل، ويُطيل أمد النزاع. والحل الواقعي هو الانتقال المبكِّر من الطابع الوديِّ غير المنظم إلى «إطار قانونيٍّ منضبط»، مع إبقاء باب التَّسوية مفتوحًا، ولكن بشروط واضحة ومحددة زمنيًّا، ويمكن هنا الاستعانة بمحامٍ مختصٍّ لوضع «اتفاق قسمة رضائيَّة» مُلزم، يتضمَّن آليات تنفيذ وجزاءات في حال الإخلال.
في الختام، الوارث المُعطِّل ليس مجرَّد شخص مزعج في نزاع عائليٍّ، إنَّه شخص قد يتسبَّب في تفكيك الأسرة، وتبديد الثروة إذا تُرك بلا مواجهة منهجيَّة متَّزنة، فالتركة لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا بالخصومة وحدها، وإدارة النزاع بذكاء يوازن بين حفظ الحقوق، وتقليل الخسائر الأسريَّة، فكل يوم تأخير في حسم التركة هو في حقيقته «استنزاف صامت» للثروة.. والعلاقات العائليَّة على حدٍّ سواءٍ.
علاء عدنان يماني
@alaayamani
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store