Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

بين حزم «عبدربه» وشدة «الشايقي».. المسافة جلد تعليمي!

A A
ما زلتُ أتذكَّرُ «الجلدةَ الحلزونيَّةَ» لمعلِّم الابتدائيَّة (عبدربه) في أوائل ستينيَّات القرن الماضي، وقد نصَّبنِي عريفًا على الفصل، وأعطانِي مفتاح الفصل، وخصَّنِي بجلدته هذه، التي على شكل «ثعبان»، أحفظها له في درج طاولتِي نهاية اليوم الدراسيِّ.
وأذكرُ أنَّ وجود هذه «الجِلدة» أمام الطَّلبة كان عاملَ إرهابٍ للأشقياء المتهاونِينَ، وطمأنينة للهادئِينَ المجتهدِينَ، ولا أذكرُ أنَّها كانت تشكِّل لي مصدرَ خوفٍ أو قلقٍ؛ لأنَّني أزعمُ أنَّني من حزبِ الهادئِينَ المجتهدِينَ، لا الكسالى المشاغبِينَ.. بل من الغريب أنَّني -وأنا طالبٌ صغيرٌ- جلدتُ بها أحدَ الطلابِ حتَّى «عدمته العافية»، أكثر ممَّا يجلدُ به المعلِّمُ أشقَى تلميذٍ بليدٍ مشاكسٍ!!
كان ذلك عندما انصرف المعلِّمُ -كعادته اليوميَّة- موكلًا إليَّ إغلاق الفصل، بعد إخراج التلاميذ، وطلبتُ من الكلِّ المغادرة، فانصاعُوا طوعًا وكرهًا، إلَّا تلميذًا واحدًا، أبى، واستكبرَ، وكان من المعاندينَ، كرَّرتُ عليه الطلبَ بأدبٍ، فكرَّر العصيانَ ببجاحةٍ وقلَّةِ أدبٍ، وفي الثالثة، رأيتُ أنَّ الخطابَ باللِّسان لن ينفعَ أو يشفعَ، سيَّما والمعلِّمُ غادرَ المدرسة، فما شعرتُ إلَّا ويدِي تقبضُ على «الجِلدة الثعبانيَّة» وتنهالُ على الطالبِ ضربًا؛ حتَّى رضخَ خارجًا مغادرًا صاغرًا؛ وكأنَّها «مبرمجة» على تأديب مَن يستحق التَّأديب، حتَّى في غياب صاحبها المعلِّم عبدربه!
هذا المشهدُ يترجمُ هيبة التَّعليم التي اكتسبتها من هيبة المعلِّم، وإنْ اتَّسمت بالحزمِ الشديدِ، والقسوةِ المبالغِ فيها، في تلكم الحقبة الزمنيَّة الغابرة والعامرة -أيضًا- بمعنى «التَّربية والتَّعليم» كما كان شعار وزارات التَّعليم في بلداننا العربيَّة.
وجالَ المشهدُ في خاطري وأنا أقرأُ موقفًا تعليميًّا حازمًا جدًّا قصَّهُ علينا الطالبُ عصام محمد خير عثمان، وذلك في السبعينيَّات مع الأستاذ حسن عبيد الشايقي، مدير مدرسة الخرطوم الثانويَّة، الذي شاهد يومًا الطالب عصام -والده كان وقتها وزير التَّربية والتَّعليم- يرتدي بنطلون «شارلستون»، فطردَهُ من المدرسة لحين إحضارِ وليِّ أمرِهِ.. ولم يشفع عند الأستاذ حضور خالِ الطالب في اليوم التالي؛ لوجود والده الوزير في مؤتمرٍ خارج السُّودان، فطردَ الطالبَ لمدَّة شهر، على أنْ يعود بعد الشهر ومعه والده بالاسم، وسلَّمه القرار مكتوبًا.. ولمَّا جاء والدهُ الوزير بعد المدَّة، وترجَّل من السيَّارة، وسار هو وابنه في الحرِّ القائظ؛ لأنَّ المدير أغلق الشَّارع المؤدِّي للمدرسة من الصباح، وحتَّى نهاية اليوم الدراسيِّ، ثمَّ دخل عليه، فلم يقم له، وناداه باسمه، ولم تشفع مبرِّراته أنَّه كان غائبًا، وأنَّ الولد اشترى هذا دون علمه، فأكَّد أنَّه لم يُحسن تربية ولدِهِ، ولم يشفع له أنَّه وزيرٌ، وأنَّه في مؤتمر خارج البلاد، وانتهى المطافُ بأنَّه أمرَ بجلد الطالب عشر جلدات في المدرسة، ويحضرها الوزيرُ بنفسه.
بعد هذه القصَّة النَّادرة جدًّا في عالم التَّعليم، أخلصُ إلى التَّالي:
* لن يصلحَ التعليمَ إلَّا ما صلحَ بهِ أوَّله من الحزمِ، والحزم هو مَن صنع رجالًا صالحِين في المجتمعات العربيَّة، على مدار عقودٍ عديدة، وكان الشِّعار هو:
فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا
فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
* ولي أمر الطالب -وإنْ كان وزيرًا للقطاع التعليميِّ- مثله مثل غيرهِ يُستدعَى ويحضرُ راجلًا، فلا تأخذه عزَّة المنصب؛ فيتأبَّى عن الحضورِ، أو يستنكفُ أنْ يسأله مديرُ المدرسة الجالس -وهو معالي الوزير- واقف أمامه كالتلميذ الصَّغير، ولم تأخذه «عنجهيَّة» مقامه المجتمعيِّ الرَّفيع؛ فيعاقب المدير، عمَّا فعله في ابنه، أو حتى عدم قيامه من مقعده، للوزير الذي هو رئيسُ رؤسائِهِ، أو كما يقولُون «أعلى رأس في الوزارة»!
* كان يمكن أنْ يفعل ذلك بمكالمةٍ هاتفيَّة، أو بجرَّة قلم، بنقل هذا المدير، أو إقصائه من القطاع التعليميِّ كله.. لكنَّه لم يفعلها، أو حتى يفكِّر فيها؛ لإيمانهِ بأنَّ العدل هو محورٌ مهمٌّ في المجتمع كله، وعلى رأس هذا المجتمع القطاعُ التعليميُّ الذي هو قلبُ حياة المجتمع، وتقدُّمهُ ورُقِّيهُ.
أيُّها السَّادةُ: «العدلُ أساسُ الحُكمِ»، وأساسُ ثباتِ ورقيِّ المجتمعات، فاعدلُوا مع القريبِ قبلَ الغريبِ؛ حتَّى ترتقُوا بأخلاقِكُم وتترقُّوا بمجتمعاتِكُم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store