Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.سعود الغربي

تظاهرة كأس العالم.. كيف نستثمرها؟

A A
تمثِّل بطولة كأس العالم لكرة القدم، أكبر تظاهرة رياضيَّة على وجه الأرض، فهي ليست مجرَّد منافسة بين المنتخبات، بل منصَّة عالميَّة تتَّجه إليها أنظارُ مليارات البشر كل أربعة أعوام. وفي ظلِّ هذا الزَّخم الإعلاميِّ والثقافيِّ والاقتصاديِّ الهائل، تصبح المشاركة في المونديال فرصةً إستراتيجيَّة للدول، ليس فقط لتحقيق نتائج رياضيَّة مشرِّفة، بل لبناء صورة ذهنيَّة مؤثِّرة، وتعزيز حضورها على مختلف المستويات.
وتأتي مشاركة المنتخب السعوديِّ في كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكيَّة والمكسيك وكندا -حاليًّا- لنسخة ٢٠٢٦، محمَّلة بمسؤوليَّات كبيرة، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. فالنَّجاح الرياضيُّ يظلُّ الواجهة الأُولَى التي يراها العالم، وهو ما يفرض على جميع أفراد المنظومة الرياضيَّة، من لاعبين، وأجهزة فنيَّة وإداريَّة، استشعار حجم المسؤوليَّة الوطنيَّة، والعمل بأقصى درجات الاحترافيَّة والإخلاص؛ لتقديم أداء يليق باسم المملكة وطموحاتها.
غير أنَّ المكاسب الحقيقيَّة لا تتوقَّف عند حدود المنافسة الرياضيَّة. فالمونديال يشبهُ سباقًا طويل المدى، لا يكفي فيه تسجيل الأهداف داخل الملعب، بل يتطلَّب إحراز نقاطٍ إضافيَّة في ميادين الاقتصاد والسياحة والثقافة والإعلام. وهنا يبرز دورُ الجهات المعنِّية في استثمار هذا الحدث العالميِّ، عبر خطط مدروسة، تروِّج للمملكة باعتبارها وجهةً حضاريَّةً وسياحيَّةً واستثماريَّةً تمتلك مشروعًا تنمويًّا طموحًا، ورُؤيةً مستقبليَّةً واضحةً.
إنَّ العالم الذي يجتمع لمتابعة كرة القدم، يمثِّل جمهورًا ضخمًا يمكن مخاطبته بلغة عصريَّة تتجاوز الإعلانات التقليديَّة، من خلال صناعة قصص إنسانيَّة مُلهِمة، وتقديم نماذج نجاح سعوديَّة، وإبراز التحوُّلات التنمويَّة التي تشهدها المملكة. فالجماهير لا تتذكَّر الشِّعارات بقدر ما تتفاعل مع التجارب الحقيقيَّة، والرسائل المؤثِّرة.
كما أنَّ الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2034، يجب أنْ يبدأ من اليوم، عبر استثمار النُّسخ المقبلة، وفي مقدِّمتها مونديال 2030، الذي تستضيفه المغرب وإسبانيا والبرتغال. فهذه البطولة تمثِّل فرصةً لبناء جسور تواصل مع الجماهير العالميَّة، واكتساب الخبرات التنظيميَّة، وتعزيز الحضور السعوديِّ في الفضاء الرياضيِّ الدوليِّ.
وفي الرِّياضة كما في التَّنمية، لا تُقَاس الإنجازات بلحظة الفوز فقط، بل بقدرة المؤسَّسات على تحويل الفرص إلى مكتسبات مُستدامة. ومن هنا فإنَّ كأس العالم ليس مجرَّد بطولة عابرة، بل استثمارٌ إستراتيجيٌّ يمكن أنْ يترك أثرًا طويلَ المدى، إذا ما أُحسن التَّخطيط له واستغلاله. فالأمم النَّاجحة لا تكتفي بالمشاركة في الحَدَث، بل تجعل من الحَدَث نقطة انطلاق نحو آفاقٍ أوسعَ من التَّأثير والتميُّز والحضور العالميِّ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store