شرارةُ هذا المقال قدحتْ في ذاكرتِي ونحنُ في مجموعةٍ مهتمَّةٍ بالقصَّة القصيرة، تُعرض بين الحين والآخر قصَّة لأحد الأعضاء (نص تحت المجهر) من دون أنْ يُرفق اسم صاحبها؛ لنقرأها، ونحاول تفكيكها، ونبدي رُؤانا حولَها، بارتياحٍ أكثرَ.
ومن خلال بعض المواقف، وعطفًا على بعض القراءات والتَّعليقات التي كنتُ شاهدًا عليها، وجدتُ أنَّ عريف المجموعة يعرضُ القصَّة القصيرة التي كتبها عضو بالمجموعة، طالبًا الرَّأي حولها كورشةٍ. ومن خلال الرُّدود رأيتُ بعض القراءات تتحوَّل من "قراءة للنَّص" إلى "إعادة كتابة له". فحين يقولُ قارئُ النَّص مثلًا: "كانَ ينبغِي أنْ يكونَ الأبُ أقوَى"، "كانَ ينبغي أنْ يكونَ الابنُ أكثرَ كَياسةٍ"، فهو هنا لا يقرأ ما كتبتهُ أنتَ، بل يقرأُ ما كانَ يتمنَّى هو أنْ يُكتب. وهذه إشكاليَّة نقديَّة معروفة. فالنَّقدُ الأدبيُّ لا يسأل دائمًا: "ماذَا كنتُ سأكتبُ لو كنتُ مكانَ الكاتبِ؟"، بل يسأل: "هل نجح النَّص في تحقيق منطقه الدَّاخلي؟".
فلو كانَ الكاتبُ يقصدُ أبًا ضعيفًا ومهزومًا، فمطالبتهُ بتحويله إلى شخصيَّة بطوليَّة ليست نقدًا، بل تغيير لبنية القصَّة؛ لأنَّه هنا يكتبُ نصًّا بديلًا باسم الكاتب.
لكنَّنِي أستدركُ وأقولُ: ليسَ كلُّ قولٍ "كان ينبغي" خطأً. فأحيانًا يكونُ المقصودُ: أنَّ سلوك الشخصيَّة غير مُبرَّر فنيًّا، أو أنَّ التحوُّل النفسي غيرُ مقنع، أو أنَّ البناء الداخليَّ مهتزٌّ. هنا يصبحُ النقدُ موجَّهًا إلى تماسك النَّص، لا إلى استبداله. ويظلُّ الفارقُ الدَّقيق هو: هل يقرأُ القارئُ النَّصَّ من داخلهِ؟ أم يفرض عليه نصًّا بديلًا في ذهنهِ؟
الأوَّل نقد... والثَّاني كتابة موازية تحت اسم النَّقد.
ولهذا تميلُ بعض النقاشات الأدبيَّة والقراءات إلى "الاقترا" أكثر من التَّحليل؛ لأنَّ القارئ/النَّاقد يندفعُ إلى تخيُّل نسخة أُخْرى من القصَّة، فيقول: "لو فعلت كذا لكان أفضل"، وهو قولٌ لا يُلام دائمًا، لكنَّه ليس نقدًا بالمعنى الدَّقيق.
وأخيرًا أقولُ ...
حين يتحوَّل النَّاقد إلى سُلطة تُملي على النَّص ما يجبُ أنْ يكونه، يفقد النَّقد مهمَّته الأساسيَّة بوصفه قراءة كاشفة، وليس كتابة بديلة.
هنا يصبحُ النَّصُّ الأدبيُّ مجرَّد مادة خام لرغبات النَّاقد القارئ، وتصوُّراته الشخصيَّة، لا كيانًا مستقلًّا له منطقه الداخلي، وخياراته الفنيَّة الخاصَّة. وفي هذه الحالة لا يعودُ الناقدُ منشغلًا بفهم البنية، بل بتقويضها لصالح بنية أُخْرى يتخيُّلها هو.
هنا يحدث نوعٌ من التَّشويش على الفكرة المركزيَّة للنصِّ؛ لأنَّ الشخصيَّات والدلالات تُسحب بعيدًا عن مسارها الذي أراده الكاتبُ. وأعتقدُ بكثيرِ يقينٍ أنَّ النَّقد الحقيقي، هو الذي يحاور النصَّ من داخله، لا الذي يشهرُ سيفَ "الأمنيات" فوقَ رأسه حتَّى يفقد صوته وهويَّته الفنيَّة.


