من التعاون إلى الأثر، شهد العالمُ اليوم، تحوُّلاتٍ غير مسبوقة في أنماط المعرفة وإنتاجها، وفي متطلَّبات التَّنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الأمر الذي جعل من التَّعليم الركيزة الأساسيَّة لبناء المجتمعات القادرة على التكيُّف والابتكار والمنافسة. وفي هذا السياق، لم يعد تطوير الأنظمة التعليميَّة مسؤوليَّةً وطنيَّةً منفردةً، بل أصبح مشروعًا تشاركيًّا تتكامل فيه الجهود الحكوميَّة، والمؤسَّسات العلميَّة، والمنظَّمات الدوليَّة، من أجل بناء نُظم تعليميَّة أكثر جودةً ومرونةً واستدامةً.
ومن هذا المنطلق الإستراتيجيِّ، تأتي مذكِّرة التَّعاون العلميِّ والتعليميِّ الموقَّعة بين وزارة التعليم في المملكة، ومركز اليونسكو الإقليميِّ للجودة والتميُّز في التعليم، باعتبارها نموذجًا متقدِّمًا للشَّراكات المؤسَّسيَّة الهادفة إلى تطوير التَّعليم، من خلال المعرفة والبحث العلميِّ، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، في إطار يتوافق مع التوجُّهات العالميَّة التي تقودها منظَّمة اليونسكو لتحقيق مستقبل أكثر إنصافًا واستدامةً للتَّعليم.
يؤكِّد المجتمعُ الدوليُّ اليوم، أنَّ تحقيق أهداف التَّنمية المُستدامة لا يمكن أنْ يتم دون أنظمة تعليميَّة قويَّة وقادرة على إعداد الأفراد للحياة والعمل والمواطنة الفاعلة. ويشكِّل الهدف الرابع من أهداف التَّنمية المُستدامة (SDG4) المعنيِّ بضمان التَّعليم الجيِّد المُنصف والشَّامل، وتعزيز فرص التعلُّم مدى الحياة للجميع، حجر الزَّاوية في بناء المجتمعات المزدهرة.
وفي هذا الإطار، تمثِّل مذكرة التَّعاون بين وزارة التَّعليم، والمركز، استجابةً عمليَّةً لهذا التوجُّه العالميِّ، إذ تُسهم في تعزيز إنتاج المعرفة التربويَّة، وتطوير البحوث والدِّراسات التعليميَّة، وتوسيع نطاق تبادل الخبرات والممارسات الناجحة، بما يدعم بناء سياسات تعليميَّة قائمة على الأدلَّة والبيانات، ويعزِّز جودة التعلُّم ومخرجاته.
تشير الأدبيَّات الحديثة في مجال تطوير التَّعليم، إلى أنَّ التحدِّي الحقيقيَّ لم يعدْ يتمثَّل في توفُّر الموارد فقط، بل في جودة الحوكمة التعليميَّة، وقدرة المؤسَّسات على إدارة الموارد والمعارف والشَّراكات بصورة تحقِّق الأثر المُستدام.
ومن هنا تبرز أهميَّة هذه المذكرة، باعتبارها إطارًا مؤسسيًّا يعزِّز مبادئ الحوكمة الرشيدة القائمة على الشفافيَّة، والتكامل المؤسسيِّ، والمساءلة، وصناعة القرار المبنيِّ على الأدلَّة. فالتَّعاون في تنفيذ الدِّراسات والبحوث المشتركة، وتبادل البيانات والمؤشِّرات التعليميَّة يُسهم في رفع جودة التَّخطيط الإستراتيجيِّ، وتحسين كفاءة السياسات التعليميَّة، وتعزيز القدرة على قياس الأداء، وتقييم الأثر.
وتنسجمُ هذه الرُّؤية مع التحوُّلات التي تشهدها المملكة في مجال تحديث الإدارة التعليميَّة، وتطوير منظوماتها المؤسسيَّة ضمن مستهدَفات رُؤية المملكة 2030، التي جعلت من الحوكمة والتميُّز المؤسسيِّ أحد المحرِّكات الرئيسة للتَّنمية الوطنيَّة.
وتؤكِّد التجاربُ الدوليَّة أنَّ نجاح الإصلاحات التعليميَّة لا يتحقَّق عبر المبادرات قصيرة المدى، بل من خلال الاستثمار المستمر في بناء القدرات المؤسسيَّة والبشريَّة القادرة على قيادة التَّغيير وإدارته.
تمثِّل هذه المذكرة -أيضًا- انعكاسًا للدور المتنامي الذي يؤدِّيه مركزُ اليونسكو الإقليمي للجودة والتميُّز في التَّعليم بوصفه منصَّةً إقليميَّةً للخبرة والمعرفة والحوار التربويِّ. فمن خلال برامجه ومبادراته وشراكاته المتعدِّدة، يعمل المركز على تعزيز ثقافة الجودة والتميُّز، ودعم تطوير السياسات التعليميَّة، وبناء الجسور بين الخبرات الوطنيَّة والإقليميَّة والدوليَّة.
وتأتي هذه المذكرة في مرحلة تشهد فيها المملكة تحوُّلًا تاريخيًّا في قطاع التَّعليم، مدفوعًا برُؤية طموحة تستثمر في الإنسان باعتباره الثَّروة الوطنيَّة الأهم. وقد نجحت المملكة خلال السنوات الماضية في بناء منظومة تعليميَّة أكثر تطوُّرًا وانفتاحًا على التجارب العالميَّة، مع المحافظة على خصوصيَّتها الثقافيَّة وهويتها الوطنيَّة.


