Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

التعليم.. الثروة التي لا تنضب

A A
حين تُذكر الثَّروة، يتبادر إلى الذهن النفط، أو المعادن، أو الأموال، غير أنَّ التجارب الإنسانيَّة أثبتت أنّ أعظم ثروة تمتلكها الأممُ هي الإنسان المتعلِّم. فالتَّعليم ليس خدمةً تقدِّمها الدول لمواطنيها فحسب، بل هو الاستثمار الأكثر ربحًا واستدامةً؛ لأنَّه يصنعُ العقولَ القادرةَ على بناء الاقتصاد، وإدارة الموارد، وابتكار الحلول، وصناعة المستقبل.
وقد أدركت المملكةُ العربيَّة السعوديَّة هذه الحقيقة منذ مراحل مبكِّرة من مسيرتها التنمويَّة، فعندما كانت مواردها محدودةً، أولت التَّعليم اهتمامًا كبيرًا؛ إيمانًا بأنَّ بناء الإنسان يسبق بناء العمران. ومع اتِّساع مواردها الاقتصاديَّة، ازداد الاستثمار في التَّعليم والجامعات والابتعاث والبحث العلميِّ؛ لأنَّ الثَّروة تحتاج إلى عقول تحسن إدارتها وتنميتها، وتحافظ عليها.
ولذلك قِيل إنَّ التَّعليم هو «رأس المال الذي لا يفقد قيمته». ويؤكِّد المستثمرُ والكاتبُ الأمريكيُّ روبرت كيوساكي هذه الفكرة بقوله: «إنَّ كثيرًا من النَّاس يركِّزُون على المال، وليس على التَّعليم كثروة حقيقيَّة»، فالمعرفة هي التي تمكِّن الإنسان من صناعة الفرص، وتحويل التحدِّيات إلى نجاحات.
وتقدِّم تجارب الدول شواهدَ واضحةً على العلاقة الوثيقة بين التَّعليم والنهضة. فاليابان خرجت من الحرب العالميَّة الثانية بموارد طبيعيَّة محدودة، ودمار واسع، لكنَّها جعلت التَّعليم محورَ مشروعها الوطنيِّ حتى أصبحت إحدى كُبْرى القوى الاقتصاديَّة في العالم. وكذلك فعلت كوريا الجنوبيَّة، التي انتقلت خلال عقود قليلة، من دولة تعاني الفقر، إلى دولة رائدة في الصناعة والتَّقنية، وكان التَّعليمُ أحد أهم أسباب هذا التحوُّل.
أمَّا في العصر الحديث، فإنَّ الاقتصادات الأكثر تقدُّمًا تعتمد بصورة متزايدة على المعرفة والابتكار والبحث العلميِّ. ولم تعد الثروة تقاس فقط بما تملكه الدول من موارد طبيعيَّة، بل بما تمتلكه من عقول مؤهَّلة، وكفاءات قادرة على الإبداع والإنتاج. ولهذا تتصدَّر الدول ذات الأنظمة التعليميَّة المتقدِّمة مؤشِّرات التنافسيَّة والابتكار والتنمية البشريَّة.
إنَّ المواطن المتعلِّم لا يحافظ على مكتسبات وطنه فحسب، بل يسهم في تطويرها، وإضافة قيمة جديدة إليها. فالمعلِّمُ والطبيبُ والمهندسُ والباحثُ ورائدُ الأعمال جميعهم ثمارٌ لشجرة التَّعليم، ومن خلالهم تتولَّد فرص العمل، وتتحسَّن الخدمات، وتزدهر الاقتصادات.
ومن هنا، فإنَّ الإنفاق على التَّعليم ليس بندًا استهلاكيًّا، بل استثمارٌ طويلُ الأجل، ينعكس أثرُه على مختلف جوانب الحياة. وكل مدرسة تُبنَى، وكل طالب يُمكَّن من التعلُّم، وكل باحث يُدعم في مشروعه العلميِّ، يمثِّل خطوةً إضافيَّةً نحو مستقبل أكثرَ ازدهارًا واستقرارًا.
إنَّ الثروات المادية قد تنضب أو تتراجع قيمتها، أمَّا التعليم فيبقى الثروة المتجددة التي تزداد كلما أُنفق عليها. ولذلك فإنَّ الأمم التي تجعل التعليم أولويَّةً وطنيَّةً تضمن لنفسها مكانًا في مقدِّمة الأمم؛ لأنَّ العقول المتعلِّمة هي التي تصنعُ الثَّروة، وتحافظ عليها، وتفتح آفاق المستقبل.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store