يدخل الأزواجُ عشَّ الزوجيَّة، وفي أذهانهم صورة حالمة لحياةٍ مرتقبةٍ يعيشان فيها في رباطٍ وثيقٍ من الحبِّ، والمودَّةِ، وأمل ملؤه التَّفاؤل بحياةٍ سعيدةٍ يعيشَان فيها كما هي تطلُّعات كل الأزواج، حيث إنَّ تلك السَّعادة لا تأتي هكذَا دون أنْ يعيش الزَّوجان واقعًا حاضنًا لها، وموفرًا لكلِّ دواعيها، وممهِّدًا لوعورة الطريق أمامها.
فالحياة الزوجيَّة رباط شراكة فيه للزَّوج حق القوامة، وللزَّوجة حق المودَّة والرَّحمة، رباط يقود مركب الزوجيَّة فيه عقل راجح، وقلب حنون، وصبر ومصابرة، وسياج من المنعة أمام تدخُّلات تفسده، أو مطامح تثقل كاهله، أو نظرة تخرجه من واقعه إلى حيث ما تصوِّره الأفلامُ، والمسلسلاتُ، وقنوات التواصل، والمثاليَّات المصطنعة.
فالحياة الزوجيَّة في واقعها حياة تمضي كما هي سُنَّة الحياة في مزيجٍ بين الشيء، وضده، فلا يُتَصوَّر حياة زوجيَّة خالية من كدر لحظة، وفرح أُخْرى، بين اتِّفاق رُؤى، واختلاف رغبات وآراء، وهو ما يعني أنَّ على المقبلِين على هذه النقلة الحياتيَّة أنْ يكون هذا في اعتبارهم، وكما هو صادق حديث توقُّعاتهم.
وعليه فإنَّ في إدارة الاختلاف بين الزَّوجين بحنكة، ورجاحة عقل حال حدوثه (المُتوقَّع) سبيلًا إلى إيقاف تصاعده، إلى حيث مرحلة الخلاف، وهو ما يضع الزَّوجين أمام تحدِّي الحفاظ على ذلك الرِّباط مهما كانت دواعي التَّضحيات، ولوازم العبور بين أمواج الحياة، وعواصف تغيُّر الحال، وتقلُّب الظروف، والأحوال.
إنَّ ممَّا يفسد الحياة الزوجيَّة، بل يؤدِّي بها إلى حيث النِّهاية فتح باب (التدخُّلات) للآخرين فيها، تلك التدخُّلات، التي لا يمكن لها أنْ تكون (حياديَّة) في ظلِّ بحث كلِّ طرف عن نصر مزعوم على ركام حياة سادت ثمَّ بادت، والضحيَّة مَن سيدفع ضريبة كل ذلك، زوجًا كان أو زوجةً، وأعظم من ذلك إنْ كان بينهما أبناء سيدخلُون بسبب ذلك في تيه الشَّتات، أمَّا الآخرُون فكلٌّ سيمضي إلى حياته، يعيشها كما يريد، لا كما هي في حياة الآخرِين نزعة تدخُّلاته.
وفي جانب آخر بالغ الأهميَّة أنَّ الزَّواج النَّاجح هو ذلك الذي يعيش فيه الزَّوجان كما هي حدود قدراتهم (الماديَّة)، حيث إنَّ اعتياد الزَّوجة على النَّظر إلى ما لا يمكن للزَّوج الوفاء به فتح لباب خلاف ينتهي إلى حيث (النهاية)، فكم هو الفرق شاسع بين زوجة تحمل زوجها، وتعينه، وتدفع به، وأُخرى تحمِّله، وتكسر مجاديفه، وتثقل عليه.
ثمَّ إنَّ في تعدِّي الزوجين على (حِمَى) أسرار بيتهما بمديحٍ، أو شكوى، أو تصوير، أو عرض حديث بقصد أو بدونه، ما يفتح عليهما باب نظرة عين معجبة، أو فرح قلوب حاسدة، أو إشعال لنار من لا شيء، كان من الممكن أنْ تُخمد في مهدها فيما لو كانت جدران بيت الزَّوجين (أمينة) على أسرارهما.
لنصل إلى أنَّ الحياة الزوجيَّة في جانبها النظريِّ (مثاليَّة) حد غزل الشِّعر، ودهشة وبلاغة النَّثر، بينما يظلُّ التحدِّي القائم أمام كلِّ حياة زوجيَّة أنْ تستمر، في تطبيقٍ عمليٍّ لما يجب على الزَّوجين القيام به، ليمضيَا بمركب حياتهِما الزَّوجية إلى بر الأمان حال كل عاصفة معتاد أنَّها الأقوى إلَّا أمام زوجين لم تزدهما مواجع الحياة، وصراع آمالها وآلامها إلَّا قربًا، وَعِلْمِي، وَسَلامَتكُم.


