لم يكن مستغربًا أن تهتز مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية بعد أيام قليلة من توقيعها، لكن سرعة العودة إلى القصف المتبادل كشفت حقيقة أساسية: الاتفاق لم ينهِ الصراع، وإنما جمّد جزءًا منه، بينما بقيت أسبابه الحقيقية قائمة.
فالضربات الأمريكية الأخيرة على مواقع إيرانية، وردّ طهران باستهداف قواعد أمريكية في الخليج، جاءت بعد اتهام كل طرف الآخر بخرق التفاهم، لتؤكد أن المنطقة ما زالت تعيش مرحلة “إدارة الأزمة” لا “حل الأزمة”.
ما جرى لا يعني بالضرورة انهيار الاتفاق، لكنه يثبت أن أي تفاهم لا يتضمن آليات واضحة للتحقق، والرقابة، وفض النزاعات، سيظل معرضًا للاهتزاز مع أول حادث ميداني.
من الجانب الإيراني، لا يزال الاتفاق يمثل فرصة مهمة لتخفيف العقوبات، واستعادة جزء من النشاط الاقتصادي، وتقليل احتمالات الحرب الشاملة. لكنه في المقابل يضع طهران أمام اختبار صعب يتمثل في الالتزام بقيود سياسية وأمنية قد تحد من هامش حركتها الإقليمية.
أما إدارة الرئيس دونالد ترامب، فلا يبدو أنها قدمت تنازلات مجانية، بقدر ما اختارت ترتيب الأولويات. فالبيت الأبيض يدرك أن حربًا مفتوحة مع إيران ستنعكس مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، وأسواق الطاقة، والانتخابات، كما أنها قد تستنزف القوات الأمريكية في وقت تسعى فيه واشنطن إلى التركيز على منافستها الاستراتيجية مع الصين وروسيا. ولذلك فضّل ترامب اتفاقًا يمكن تعديله لاحقًا على حرب لا يمكن التحكم في نتائجها.
لكن المشكلة أن هذا النهج لا يطمئن جميع الحلفاء، وعلى رأسهم إسرائيل، التي ما زالت ترى أن أي اتفاق لا يعالج البرنامج الصاروخي الإيراني، ولا يضع حدًا لنفوذ طهران عبر الجماعات المسلحة في المنطقة، هو اتفاق ناقص، بل قد يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. ولهذا تبقى إسرائيل الطرف الأكثر تحفظًا، وربما الأكثر قدرة على تعقيد مسار أي تسوية إذا شعرت بأن أمنها الاستراتيجي أصبح مهددًا.
وفي المقابل، لن يكون من السهل على الولايات المتحدة السماح بانهيار الاتفاق بالكامل. فواشنطن ستواصل دعم أمن إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه ستسعى إلى احتواء أي تصعيد يمنع تحول الاشتباكات المحدودة إلى حرب إقليمية شاملة، وهو ما يفسر استمرار الردود العسكرية الأمريكية في إطار “الردع المحدود”، مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا.
أما دول الخليج، فقد أصبحت تنظر إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات. فهي لا تراهن على نجاح الاتفاق الأمريكي - الإيراني وحده، ولا ترغب أيضًا في انهياره. فاستقرار الخليج لا يمكن أن يبقى رهينة لتفاهمات تعقدها القوى الكبرى ثم تختلف عليها.
ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ترتيبات أمنية إقليمية مباشرة بين دول الخليج وإيران، تكمل أي اتفاق دولي ولا تستبدل به. فالأمن الإقليمي لا يصنع في واشنطن أو طهران وحدهما، وإنما يحتاج إلى تفاهم بين جميع دول المنطقة.
لكن مثل هذا الحوار لن ينجح إلا إذا قام على مبادئ واضحة لا يجوز التنازل عنها، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ووقف دعم الجماعات المسلحة، وضمان أمن الملاحة الدولية، وعدم استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة كأدوات ضغط سياسي أو عسكري.
وفي المقابل، تستطيع دول المنطقة تقديم حوافز حقيقية لإيران، تشمل توسيع التعاون الاقتصادي، والاستثمارات، والتجارة، وربط المصالح الاقتصادية بالأمن الجماعي، بما يجعل الاستقرار أكثر جدوى من التصعيد.
أما الولايات المتحدة وأوروبا، فمن المرجح أن تواصلا التنسيق حول الهدف الأساسي، وهو منع تحول إيران إلى دولة نووية عسكرية، مع احتمال استمرار الخلاف بينهما حول مستوى العقوبات وسرعة تخفيفها. في المقابل، ستؤيد الصين وروسيا أي اتفاق يحقق الاستقرار ويمنع الحرب، شريطة أن يكون ضمن إطار دولي تشارك فيه المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن، بما يوفر آليات رقابة وضمانات مقبولة لجميع الأطراف.
كما يمكن أن تلعب تركيا وباكستان ومصر أدوارًا مساندة في أي منظومة أمنية جديدة؛ فتركيا تمتلك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، وباكستان تحظى بعلاقات جيدة مع كل من الخليج وإيران، بينما تمثل مصر ركيزة أساسية في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
الخلاصة أن تبادل الضربات خلال الأيام الماضية لم ينسف فرص التسوية، لكنه كشف هشاشتها. فالسلام لا يصنعه وقف إطلاق النار وحده، وإنما تصنعه معالجة الأسباب التي أدت إلى الحرب. وإذا ظل الاتفاق محصورًا في الملف النووي والملاحة البحرية، بينما بقيت الملفات الإقليمية معلقة، فإن الشرق الأوسط سيبقى ينتقل من هدنة مؤقتة إلى أزمة جديدة. أما إذا نجحت الأطراف في تحويل التفاهم الحالي إلى إطار أوسع للأمن الإقليمي، فقد تكون هذه الجولة بداية مسار طويل نحو استقرار أكثر استدامة، وإن كان الطريق إليه لا يزال مليئًا بالعقبات.
@kbatarfi


