Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. سيد فتحي احمد الخولي

حين يدفع الاقتصاد فاتورة المناخ

A A
كلما اجتاحت موجة حر أوروبا، تتصدر الأخبار آلاف الوفيات، وتعطل وسائل النقل، وإغلاق المدارس، وانخفاض الإنتاجية، وازدياد الضغط على المستشفيات وشبكات الكهرباء. وفي المقابل، تعيش دول الخليج كل صيف درجات حرارة تتجاوز أحياناً 50 درجة مئوية، دون أن تشهد أعداداً مماثلة من الوفيات. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل تكمن المشكلة في المناخ وحده، أم في أنماط التنمية؟
تؤكد الدراسات العلمية الحديثة أن درجة الحرارة وحدها لا تفسر هذه المفارقة. فالتغير المناخي جعل موجات الحر في أوروبا أكثر شدة وتكراراً، إلا أن حجم الخسائر البشرية والاقتصادية لا تحدده درجات الحرارة وحدها، وإنما تحدده أيضاً قدرة المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية على التكيف مع الواقع المناخي الجديد.
ولا شك أن ارتفاع الرطوبة في بعض المناطق الأوروبية، وارتفاع درجات الحرارة ليلاً، وظاهرة الجزر الحرارية في المدن، إضافة إلى ارتفاع نسبة كبار السن، كلها عوامل تزيد من مخاطر الإجهاد الحراري. ومع ذلك، فإن العامل الحاسم يظل هو مدى جاهزية المجتمع والاقتصاد للتعامل مع هذه الظروف.
لقد قامت النهضة الصناعية الأوروبية على الاستخدام المكثف للفحم، ثم النفط والغاز، وهو ما وفر نمواً اقتصادياً غير مسبوق، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تراكم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مدى أكثر من قرنين. واليوم بدأت الاقتصادات المتقدمة تدفع جزءاً من التكلفة البيئية لذلك النمو في صورة موجات حر أكثر تطرفاً، وحرائق غابات، وجفاف، وفيضانات، واضطرابات مناخية متزايدة.
غير أن المفارقة لا تكمن في التغير المناخي وحده، بل في أن المدن الأوروبية لم تُصمم أساساً لمواجهة صيف شديد الحرارة. فمعظم المباني أنشئت للاحتفاظ بالدفء خلال الشتاء، لا للتخلص من الحرارة في الصيف، كما أن ملايين المنازل لا تزال تفتقر إلى أنظمة التكييف، فضلاً عن أن موجات الحر كانت حتى وقت قريب ظاهرة استثنائية وليست جزءاً من المناخ المعتاد.
ومن هنا يمكن القول إن أوروبا تدفع اليوم جزءاً من "الفاتورة المؤجلة" للثورة الصناعية؛ فالدول التي حققت ازدهارها الاقتصادي اعتماداً على الفحم ثم النفط والغاز تجد نفسها اليوم مطالبة بتحمل تكاليف التكيف مع الآثار المناخية الناجمة عن الانبعاثات المتراكمة عبر عقود طويلة.
أما في دول الخليج، فالصورة مختلفة تماماً. فالحرارة الشديدة ليست ظاهرة طارئة، بل هي جزء من البيئة الطبيعية منذ قرون، ولذلك تشكلت الأنشطة الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية على أساس التكيف معها. فقد أصبحت أنظمة التكييف جزءاً من البنية التحتية، وأصبح العزل الحراري معياراً أساسياً في البناء، كما جرى تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعديل ساعات العمل، وتصميم المدن بما يحد من التعرض المباشر للحرارة.
ولهذا فإن درجة حرارة أعلى لا تعني بالضرورة خسائر بشرية أكبر، لأن الإنسان لا يتأثر بدرجة الحرارة المجردة فحسب، بل يتأثر أيضاً بمدى قدرة البيئة التي يعيش فيها على التكيف معها. وهنا تتجلى العلاقة العميقة بين الاقتصاد والتغير المناخي.
فالاقتصاد التقليدي المعتمد على الوقود الأحفوري أسهم في زيادة الانبعاثات، والانبعاثات أدت إلى ارتفاع حرارة الأرض، وارتفاع الحرارة أدى إلى موجات حر أكثر شدة، نتج عنها ارتفاع في الوفيات، وانخفاض في الإنتاجية، وتراجع في أداء قطاعات الزراعة والطاقة والنقل والسياحة، فضلاً عن ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية وتعويض الأضرار وإعادة تأهيل البنية التحتية.
وبذلك أصبح الاقتصاد يصنع المشكلة من جهة، ثم يتحمل تكاليفها من جهة أخرى. ولهذا لم يعد الاقتصاديون ينظرون إلى التغير المناخي باعتباره قضية بيئية فحسب، بل أصبح أحد أكبر مصادر المخاطر الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، لما يفرضه من أعباء متزايدة على الموازنات العامة، وأسواق العمل، والاستثمار، والأمن الغذائي، واستدامة النمو الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق برز مفهوم الاقتصاد الأخضر، ليس باعتباره مشروعاً بيئياً فقط، وإنما نموذجاً اقتصادياً يهدف إلى الحد من تكلفة التغير المناخي قبل وقوعها، من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة، وبناء بنية تحتية مرنة، وإنشاء مدن ذكية، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، واعتماد التخطيط الحضري الملائم للمناخ، وتطوير وسائل النقل المستدام، وحماية الغابات، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري.
وفي المملكة العربية السعودية تتجسد هذه الرؤية بوضوح من خلال رؤية المملكة 2030، ومبادرة السعودية الخضراء، ومشروعات الطاقة المتجددة، وبرامج التشجير، وخفض الانبعاثات، وهي مبادرات لا تستهدف حماية البيئة فحسب، بل تهدف أيضاً إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، وأكثر كفاءة في استخدام الموارد، وأكثر استعداداً لمتطلبات التنمية المستدامة.
إن الدرس الذي تكشفه موجات الحر الأوروبية لا يتمثل في أن أوروبا أصبحت أكثر حرارة من الخليج، بل في أن المناخ يصبح أكثر فتكاً عندما يفاجئ اقتصاداً لم يُصمم للتعامل معه. فدول الخليج، رغم قسوة مناخها، بنت جانباً كبيراً من بنيتها التحتية ومدنها الحديثة على أساس التكيف مع الحرارة، بينما تجد أوروبا نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة تصميم مدنها وأنظمة البناء والطاقة والنقل لتتلاءم مع واقع مناخي جديد لم يكن مألوفاً عند نشأة معظم هذه المدن.
ولهذا فإن معادلة المستقبل لم تعد تقتصر على خفض الانبعاثات وحدها، بل أصبحت تقوم على بناء اقتصادات مرنة قادرة على التكيف مع تغير المناخ. فالدول التي تستثمر اليوم في الاقتصاد الأخضر، وتعزز قدرتها على التكيف، لا تحمي البيئة فحسب، بل تحمي الإنسان، وتحد من الخسائر الاقتصادية، وتؤسس لتنمية أكثر استدامة في عالم يتغير مناخه بوتيرة غير مسبوقة.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: كيف نخفض درجات حرارة الأرض؟ بل أصبح: كيف نبني اقتصادات ومجتمعات قادرة على التكيف مع مناخ يتغير بالفعل؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل التنمية، وستحدد قدرة الدول على حماية الإنسان والاقتصاد معاً.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store