Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

«تكفـــــــى»

A A
«تكفى» كلمةٌ عاميَّةٌ جميلةٌ، تعكسُ الكثير من المعاني. هي رجاءٌ، وفيها استدعاءٌ للمروءة، وإقرارٌ بفارقٍ في القدرة بين مَن يطلب، ومَن يُطلَب منه. وقد تختلفُ نبرتها من سياق إلى آخرَ، لكنَّها تظلُّ كلمةً ثقيلةً في ميزان الحاجة؛ لذلك لا يميلُ معظمُنا لاستعمالها كثيرًا، على الرغم من قوَّتها.
وللكلمة في ذاكرتِي طرائفُ، فحين كنتُ طالبًا في الخارج، قبل أكثر من خمسين عامًا، كانت لي سيَّارةٌ متقلِّبةُ المزاجِ، لا تحبُّ الطَّقس البارد. وكنتُ أُردِّدُ لها كلمةَ «تكفى» كثيرًا في الشِّتاء، قبل محاولة تشغيلها. وأتذكَّرُ أيضًا أنَّ الكلمة كانت، قبل عقودٍ، من مفردات طلب الخدمة، وقضاء الحوائج في حياة كثيرِين. والحمدُ لله أنَّ حضورها انحسر مع تحسُّن الخدمات، وازدياد الشفافيَّة، ووضوح المسؤوليَّات، وفاعليَّة الرقابة. وأعتقدُ أنَّ تراجع الحاجة إلى قول «تِكفى» عند طلب الحقوق، أو الخدمات هي أحد المكاسب الجميلة التي يحقُّ لنا جميعًا أنْ نعتزَّ بها. ولا تقتصر تطبيقاتُها عند عالم البشر، ففي عالم الحيوان، ولا سيَّما الطيور، نرى الفراخ الصَّغيرة ترفعُ أفواهها في مشهدٍ مفعمٍ بالاحتياج، بينما تحاولُ الأُمَّهات إطعامها بما تيسَّر، فتبدُو تلك النداءات، كأنَّها صورةٌ صادقةٌ لمعنى «تكفى» في أحد أقوى أدواره.
ومع أنني لا أستعملُ هذه الكلمة كثيرًا الآن، ومع أنَّ كرة القدم ليست من اهتماماتِي الأُولى، فقد وجدتني أردِّدها وأنا أتابعُ منتخبنا في مباريات كأس العالم التي جرت في الأسابيع الماضية: تكفى يا محمد العويس، تكفى يا سالم الدوسري، تكفى يا فراس البريكان، وغيرهم. قلتها بلا تحفُّظ، وبإلحاحٍ صادقٍ، وربَّما ارتفع بها صوتي أحيانًا حتَّى فاجأ أهل الدار. عندها أدركتُ أنَّ استخدامي للكلمة لا يستيقظُ إلَّا حين يلعب المنتخبُ في كأس العالم، وكأن لها دورة حياة لا تكتملُ إلَّا كل أربع سنوات.
ومن طرافة هذه الكلمة، أنَّ لها حضورًا في «العبريَّة» أيضًا؛ إذ تُستعمل، بكسر الكَاف، بمعنى قريب من معناها العربيِّ، وهو الرَّجاء أو الأمل. غير أنَّ الدلالة هناك تفتحُ بابًا آخرَ للتأمُّل، فالكلمة ترتبط بمعنى الأمل، وتظهر في النَّشيد الوطنيِّ الرسميِّ «ها تكفى»، حيث تقومُ «ها» مقام أداة التَّعريف. ويقومُ النَّشيد على استدعاء مستقبل الصهاينة وأملهم، من غير أنْ يلتفت بما يكفِي إلى حقوق الإنسان، ولا إلى حقِّ الآخرين في الحياة والكرامة.
أمنيـــــــة
يعاني العالم بأكمله، بطرق مختلفة، من آثار الحرب الأمريكيَّة الإسرائيليَّة الإيرانيَّة، ولا تزال خسائرُها الحقيقيَّة لم تظهر كاملةً حتَّى اليوم. ويكفي أنْ نتأمَّل بشاعة إرسال آلاف الصَّواريخ والمسيَّرات المدمِّرة ضد منشآتِنا المدنيَّة، ومنشآت دول الخليج الشقيقة، وقتل آلاف المدنيِّين في لبنان الشَّقيق، فضلًا عن ارتفاع أسعار البترول والغذاء، والانكماش الحاد في حجم التجارة الدوليَّة. وكل ذلك يزيد من اختلال التوازن بين الأقوياء والضعفاء في العالم. أتمنَّى أنْ نجد -بتوفيق الله- ما هو أقوى من كلمة «تكفى»؛ ليخاطب به المجتمع الدولي ضميره، ويُوقف هذا الدَّمار الجنوني.
وهو من وراء القصد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store