الحمد لله الذي اصطفى بيته العتيق، وجعله أول بيتٍ وضع للناس مباركًا وهدًى للعالمين، وأودع في رحابه من أسرار السكينة، وأنوار الهداية، وبركات الإيمان ما تتعلق به الأرواح قبل الأبصار، وتخشع له القلوب قبل الجوارح. أحمده سبحانه على ما شرَّف به بيته الحرام من منزلةٍ سامقة، ومكانةٍ شامخة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل تعظيم شعائره من أجلِّ القربات، وربط بين تعظيمها وتقوى القلوب، فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من عظَّم حرمات الله، وأكمل من بلَّغ رسالات ربه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد..
فإن الحديث عن الكعبة المشرفة حديثٌ عن قلب الأمة النابض، وعن قبلة المسلمين الجامعة، وعن البيت الذي جعله الله قيامًا للناس، تتوحد إليه وجوههم في مشارق الأرض ومغاربها، فتجتمع عليه قلوبهم، وتلتقي عنده أرواحهم وإن اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأوطانهم. إنها ليست بناءً شامخًا فحسب، وإنما هي رمزٌ خالدٌ لوحدة الأمة، ومنارةٌ للتوحيد، ومدرسةٌ ربانيةٌ تتجدد فيها معاني العبودية والخضوع لله تعالى.
ولذلك، فإن كل ما يتصل بالبيت العتيق يكتسب شرفه من إضافته إلى الله سبحانه، فهو البيت الذي قال فيه جل وعلا: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فجاء الأمر الإلهي بالطهارة مقترنًا بأعظم بقعة على وجه الأرض؛ ليقرر أن تعظيم المكان يبدأ بتطهيره، وأن رسالة البيت العتيق هي رسالة التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة، ولا يخالطه شرك.
ومن هنا، فإن غسل الكعبة شعيرةٌ ذات دلالاتٍ إيمانيةٍ عميقة، تستحضر أول أمرٍ رباني تعلق بالبيت الحرام، وتستدعي أعظم مشهدٍ في تأريخ الإسلام، حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، فبدأ بالبيت وطهَّره، معلنًا أن هذا البيت إنما شُيِّد ليكون منارةً للتوحيد، ومهوىً للمؤمنين، ومحلًا لتعظيم الله وحده.
وكان ذلك التطهير النبوي إعلانًا عالميًا لبداية عهد التوحيد؛ ولذا بقي غسل الكعبة عبر التأريخ شاهدًا على هذا المعنى العظيم؛ إذ تتجدد به في النفوس رسالة البيت العتيق، وأن طهارته الحسية إنما ترمز إلى الطهارة المعنوية التي جاء بها الإسلام.
ومن هنا تتجلى رسالة رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، التي شرفها الله بحمل رسالة الحرمين الشريفين الدينية، وتبليغ هدايتهما للعالم، وإثراء تجربة قاصديهما علميًا وإيمانيًا، وربط المسلمين بمقاصد الشعائر، وأن الحرمين الشريفين ليسا مكانًا للعبادة فحسب، بل منارتان للهداية، وجامعتان للإيمان، ومنطلقان لنشر منهج الإسلام الحق القائم على الوسطية والاعتدال والرحمة والتيسير، وفق المنهج الذي قامت عليه هذه البلاد المباركة منذ توحيدها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه-.
إن غسل الكعبة المشرفة يختزل في مشهده معاني عظيمة؛ إذ يجسد تعظيم شعائر الله، ويبعث رسائل الطهارة والتزكية، ويؤكد أن شرف المكان يدعو إلى إخلاص العبودية لله -تعالى.
وانطلاقًا من ذلك، فإن رئاسة الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين تؤكد أن حقيقة تعظيم شعائر الله هي عبوديةٌ شاملة تُترجم إلى تعظيم أمر الله، والتمسك بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وإحياء معالم الوسطية والاعتدال، ومقاومة الغلو والتطرف، وترسيخ منهج الإسلام القائم على الرحمة والحكمة والعدل.
وفي هذا العهد الميمون، تتجلى عناية المملكة العربية السعودية بالحرمين الشريفين في أسمى صورها، إذ جعلت خدمة بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم شرفًا تتوارثه القيادة جيلًا بعد جيل، وأمانةً تضطلع بها الدولة المباركة بكل اقتدار، حتى غدت المملكة أنموذجًا عالميًا في عمارة الحرمين حسًا ومعنى، وخدمة قاصديهما، وإثراء تجربتهم، وتحقيق أعلى معايير العناية والرعاية، في صورةٍ مشرقةٍ تجسد ريادة هذه البلاد في خدمة الإسلام والمسلمين.
وإذا كان التأريخ قد حفظ للأمم منجزاتها، فإن التأريخ الإسلامي حفظ للكعبة المشرفة عناية الأنبياء والصالحين، وجعل من تطهيرها وصيانتها شرفًا تتنافس فيه القلوب قبل أن تتنافس فيه الأيدي.
فمنذ أن أمر الله خليله إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- بقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أصبحت طهارة البيت العتيق جزءًا من رسالته الخالدة، حتى جاء خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فدخل الكعبة يوم الفتح، فأزال ما فيها من الصور وآثار الوثنية، وأعاد إليها صفاء التوحيد ونقاء الرسالة، فكان ذلك أعظم تطهير عرفته البشرية؛ لأنه جمع بين تطهير المكان وتطهير العقيدة، وبين إزالة الأوثان من البيت، وإخراجها من القلوب.
ومنذ ذلك اليوم المبارك، ظل الاهتمام بالكعبة المشرفة عنوانًا لتعظيم شعائر الله، وتوارث المسلمون شرف العناية بها جيلًا بعد جيل، مع اختلاف صور الخدمة وأساليبها، وبقيت الغاية واحدة؛ وهي تعظيم بيت الله، وصيانته، وإظهار مكانته في نفوس المسلمين؛ امتثالًا لأمر الله، واقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي العصر الحديث، بلغت هذه العناية ذروتها في ظل بلادنا المباركة المملكة العربية السعودية، التي شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين، فجعلت ذلك رسالتها الكبرى، وأمانتها العظمى، ومحل فخرها واعتزازها. فمنذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه-، الذي تشرف بنفسه غير مرة بغسل الكعبة المشرفة، تعاقب ملوك هذه البلاد المباركة على حمل هذه الرسالة، مؤكدين أن خدمة الحرمين ليست واجبًا إداريًا فحسب، بل عبادة يتقرب بها إلى الله، وشرفًا تتوارثه القيادة جيلًا بعد جيل.
وقد شهد العالم في هذا العهد الزاهر مشروعاتٍ تأريخيةً غير مسبوقة في عمارة المسجد الحرام، وتطوير خدماته، وتسخير أحدث التقانات لخدمة ضيوف الرحمن، مع عنايةٍ فائقة بالإثراء الديني، ونشر الوسطية، وإبراز رسالة الإسلام السمحة الحقة، حتى أصبحت تجربة قاصد الحرمين الشريفين أنموذجًا عالميًا يجمع بين أصالة الرسالة، وجودة الخدمة، وروح العناية، وكفاءة التنظيم.
وهذا المشهد يحمل في طياته دلالاتٍ عظيمة؛ إذ يؤكد أن خدمة الكعبة المشرفة ليست مظهرًا عاديًا، بل شرفٌ تتطلع إليه النفوس، وتجسيدٌ عملي لتعظيم شعائر الله، واستشعارٍ لعظم الأمانة التي شرف الله بها هذه البلاد المباركة.
وانطلاقًا من رسالتها الشرعية والعالمية، تؤمن رئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي بأن كل شعيرة من شعائر الإسلام تحمل رسالةً تتجاوز حدود الزمان والمكان، وأن غسل الكعبة المشرفة ليس مجرد حدثٍ سنوي، بل مناسبةٌ لتجديد معاني التوحيد، وتعميق محبة بيت الله، وربط المسلمين بمقاصد دينهم، واستحضار أن أعظم صور الطهارة هي طهارة القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والنفوس بالأخلاق، والفكر بالوسطية والاعتدال والاعتصام بحبل الله جميعًا.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعًا لا تقف عند متابعة هذه المناسبة المباركة، بل تمتد إلى استلهام معانيها، وترجمة دلالاتها في واقعنا؛ بأن نعمر قلوبنا بالإيمان، وأن نُعلي من شأن الأخلاق، ونرسخ قيم التسامح والصفاء، ونُعظم شعائر الله في الظاهر والباطن؛ تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ونسأل الله -جل وعلا- أن يديم على بلادنا المباركة أمنها وإيمانها، وأن يجزي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز خير الجزاء؛ لما يقدمانه للإسلام والمسلمين، وأن يبارك في جهود العاملين في خدمة الحرمين الشريفين، وأن يرزق المسلمين تعظيم بيته العتيق ظاهرًا وباطنًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
غسل الكعبة المشرفة شعيرةٌ إيمانيةٌ خالدة ورسالةُ توحيدٍ متجددة ورعايةٌ سعوديةٌ رائدة
تاريخ النشر: 30 يونيو 2026 10:25 KSA
A A


