إيطاليا، صاحبة أربعة ألقاب عالميَّة، غابت عن البطولة للمرة الثالثة على التوالي بعد خسارتها في الملحق الأوروبي أمام البوسنة والهرسك بركلات الترجيح.
ألمانيا، بطلة 2014، ودّعت من دور الـ32 بخسارة مثيرة أمام باراجواي بركلات الترجيح بعد أداء متقلِّب في دور المجموعات.
هولندا خرجت أيضًا من الدور ذاته أمام المغرب بركلات الترجيح.
أمَّا البرازيل، رغم تأهلها وتجاوزها اليابان في دور الـ32 بهدف متأخِّر، فإنَّ أداءها لم يكن بالسيطرة المعهودة، وواجهت انتقادات حول الانسجام والفعاليَّة الهجوميَّة في بعض المباريات.
في المقابل، يواصل المنتخب المغربي تقديم أداء قوي ومستقر، بعدما بلغ نصف نهائي نسخة 2022 (أول فريق إفريقي وعربي يحقق ذلك)، ونجح في 2026 في التقدم من دور المجموعات وإقصاء هولندا.
وتظهر منتخبات أخرى مثل كندا والولايات المتحدة (المضيفين) والنرويج وباراجواي.
فهل نحن أمام تحول جذري في خريطة اللعبة، أم مجرد دورة طبيعيَّة من التراجع المؤقت؟
تراجع العمالقة
لم يعد غياب إيطاليا مفاجئًا كما كان في 2018 و2022، المنتخب الذي فاز باللقب آخر مرة عام 2006 يعاني منذ سنوات من مشكلات هيكليَّة، حيث يشير محللون إلى أنَّ التركيز التكتيكي التقليدي على الحذر والدفاع أصبح أقل فعاليَّة أمام الأساليب الهجوميَّة الحديثة.
كما أنَّ الدوري الإيطالي (السيري أ) يعتمد بشكل كبير على اللاعبين الأجانب؛ ممَّا أثر على تطوير المواهب المحليَّة.
بالإضافة إلى عوامل ديموغرافيَّة وتشريعيَّة تتعلَّق بسياسات الجنسيَّة، التي حدَّت من دمج المواهب الشابَّة من خلفيَّات مهاجرة، في وقت نجحت فيه دول أخرى مثل فرنسا في الاستفادة من هذا التنوُّع.
تراجع ألمانيا وهولندا
بعد نجاحات كبيرة في العقد الماضي، يواجهان تحديات في تجديد الجيل، مع تغييرات متكررة في الجهاز الفني وصعوبة في الحفاظ على الانسجام.
أمَّا البرازيل، فلا تزال تمتلك مواهب استثنائيَّة (مثل فينيسيوس جونيور)، وتحافظ على سجلها التاريخيِّ بالتأهل لكل نسخة، لكنَّها لم تفزْ باللقب منذ 2002، ويُلاحظ في السنوات الأخيرة تفاوت في الأداء بين الدوريات المحليَّة والمنتخب.
هذه النتائج لا تعني «انهيارًا» لكرة القدم الأوروبيَّة، أو البرازيليَّة.
أوروبا لا تزال تهيمن على مستوى الأندية، والعديد من المنتخبات الأوروبيَّة الأخرى (مثل فرنسا وإنجلترا وإسبانيا) تظل مرشَّحة قويَّة.
المنافسة أصبحت أكثر حدَّة بسبب تطوُّر اللعبة عالميًّا.
باراجواي
أبرز المفاجآت حتى الآن، أقصت ألمانيا من دور الـ32 بركلات الترجيح (بعد تعادل 1-1)، في واحدة من أكبر الصدمات في تاريخ المونديال، حيث تتمتع بدفاع منظم، روح قتاليَّة، وحارس مرمى متألق (أورلاندو جيل).
باراجواي ليست قوة عالميَّة تاريخيَّة، لكنَّها تمثَّل «الفريق المنظم» الذي يستغل الأخطاء.
إذا استمر هذا المستوى، قد يصبح نموذجًا لمنتخبات أمريكا الجنوبيَّة المتوسطة في ملء فراغات أوروبيَّة.
النرويج
غائبة عن المونديال منذ 1998، لكنَّها تأهلت بقوة (فوز على إيطاليا مرتين في التصفيات).
بقيادة إيرلينج هالاند (الذي سجل أهدافًا كثيرة في التصفيات)، تُعتبر من «الخيول السوداء» الواعدة.
أداء قوي في دور المجموعات، وإمكانيَّة الوصول بعيدًا بفضل النجوميَّة الفرديَّة والتنظيم.
قد تكون خليفة محتملة لمنتخبات أوروبية شمالية في حال استمرار تراجع بعض الكبار.
خاتمة
ما نشهده ليس نهاية عصر العمالقة، بل مرحلة انتقاليَّة نحو كرة قدم أكثر تنوُّعًا وتنافسيَّة.
الخريطة تتغيَّر تدريجيًّا، لكنَّها لا تنقلب رأسًا على عقب، المنافسة الشرسة في 2026 وما بعدها (مع توسع البطولة إلى 48 منتخبًا) ستكشف المزيد، وستظل كرة القدم –كما كانت دائمًا- لعبة اللحظات والمفاجآت، لا الثوابت المطلقة.
صعود المغرب
يُعدُّ أداء المغرب الأبرز في هذا السياق، في 2022، حقق إنجازًا تاريخيًّا بإقصاء إسبانيا والبرتغال والوصول إلى نصف النهائي.
في 2026، أظهر استقرارًا واضحًا، ونجح في إقصاء هولندا.
هذا ليس صدفة أو «معجزة»، بل نتيجة إستراتيجيَّة طويلة الأمد بدأت قبل نحو عقد.
تحت قيادة فوزي لقجع (رئيس الجامعة الملكيَّة المغربيَّة لكرة القدم منذ 2014)، استثمر المغرب في البنية التحتيَّة والتكوين، فأسَّس أكاديميَّة الملك محمد السادس لكرة القدم، مراكز تدريب إقليميَّة، وملاعب حديثة (من بينها الملعب الكبير حسن الثاني المخطط بسعة 115 ألف متفرج).
كما استفاد من اللاعبين ذوي الأصول المغربيَّة في أوروبا (أكثر من 70% من تشكيلة 2022 وُلِدوا أو يلعبُون هناك)، مع تحسين الدوري المحليِّ الذي حققت أنديته نجاحات قاريَّة (الوداد والرجاء).
المغرب يسعى الآن لاستضافة كأس العالم 2030 (مع إسبانيا والبرتغال)، ويبني نفوذًا كمركز إفريقي للعبة، بما في ذلك استضافة مقر إفريقي دائم للفيفا في مراكش.
هذا النهج المنهجي (استثمار حكومي، تخطيط طويل الأمد، استغلال الشتات) يجعله نموذجًا قابلًا للاستدامة، على عكس بعض التجارب السابقة التي اعتمدت على جيل واحد.


