Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

«المباني الجاهزة» مساكن لا تشبه ساكنيها

A A
كلَّما قرأتُ خبرًا عن أسرةٍ اكتشفت بعد شراء منزلها عيوبًا إنشائيّة، أو تصدُّعاتٍ خفيَّةً، عاد بي الزَّمنُ سنوات إلى الوراء، بعضُ الجروح لا يداويها الوقتُ، وإنَّما يوقظهَا خبرٌ جديدٌ، أو ضحيَّةٌ جديدةٌ، أو أسرةٌ وجدت نفسها أمام حلمٍ تحوَّل إلى قضيَّة في أروقة المحاكم.
قبل أيَّام تداولت وسائلُ الإعلام خبرًا، عن «ملَّاك شقق سكنيَّة» اكتشفُوا عيوبًا خفيَّةً وتصدُّعاتٍ في مشروع سكنيٍّ، بعد أنْ دفعُوا مدَّخرات أعمارِهم مقابل منزل ظنُّوه بداية الاستقرار، فإذا به بداية معاناة جديدة، الخبرُ ليس الأوَّل، وربَّما لن يكونَ الأخير! رغم ما شهدته السوقُ العقاريَّةُ من تطوُّر كبير في الأنظمة والرِّقابة خلال السنوات الأخيرة.
كتبتُ عن هذا الملف أكثر من مرَّة، ليس من باب التَّنظير، وإنَّما من واقع تجربة شخصيَّة، أعرفُ مرارتها جيدًا، ولذلك أستطيعُ أنْ أتفهَّمَ شعور كلِّ من يجد نفسه فجأةً أمام منزلٍ لا يشبه ما اشتراه، أو تقرير هندسيٍّ يقلب حياته رأسًا على عقب، أو أقساط بنكيَّة تستمرُّ سنواتٍ طويلةً مقابل عقارٍ لا يمنحه الطمأنينة.
الإنصافُ يقتضي القول إنَّ المشهد اليوم، ليس كما كان قبل سنوات، هناك أنظمة أكثر صرامةً، ورقابة أفضل، وجهود كبيرة بُذلت لحماية المشترِين، كما أنَّ مستوى الوعي ارتفع بصورةٍ ملحوظةٍ، هذه حقائق لا يمكن تجاوزها، وقد أسهمت في الحدِّ من كثير من التجاوزات التي كانت تحدثُ في السَّابق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا يزالُ هناك من يقع ضحيةً؟
المشكلةُ أنَّ بعض ضعاف النفوس لا يتعامل مع البناء على أنه مسؤولية، وإنما يراه معادلة لتقليل التكلفة إلى أقصى حد ممكن. يبدأ التوفيرُ من التفاصيل الصغيرة، ثمَّ يمتدُّ إلى مواد البناء، وجودة التَّنفيذ، وأحيانًا إلى عناصر لا يراها المشتري إلَّا بعد سنوات، عندما تبدأ التشقُّقات بالظهور، أو تتسرَّب المياهُ، أو تتكشَّف العيوبُ التي كانت مختبئةً خلف طبقات الدِّهان.
المؤلمُ أنَّ كثيرًا من المشترِين يعتقدُون أنَّ تجاوز مراحل الفحص النظاميَّة كافٍ للاطمئنان! الواقعُ أكثر تعقيدًا جودة المواد، ودقَّة التَّنفيذ، والأمانة المهنيَّة، كلُّها عناصر لا تقلُّ أهميَّة عن المخطَّطات والرُّخص والتَّقارير.
ولذلك لا أحمِّل المسؤوليَّة لطرفٍ واحدٍ، كما أنَّني لا أعمِّم، في السوق مطوُّرون عقاريُّون يُشار إليهم بالبَنَان، قدَّموا نماذج مشرِّفة تستحق الثناء، الحديث هنا عن قلَّة أضرَّت بسمعة قطاعٍ كاملٍ، واستغلَّت حاجة النَّاس إلى السكن.
المشتري أيضًا ليس مهندسًا إنشائيًّا، ولا يُطلب منه أنْ يكون كذلك، هو موظَّف، أو متقاعد، أو ربُّ أسرة، جمع قيمة منزله بعد سنوات من العمل، ثمَّ يبحث عمَّن يثق برأيه حتى هنا تبدأ المشكلة، فليس كلُّ مَن يحمل صفة استشاريَّة يملكُ الخبرة الكافية، وليس كلُّ تقرير يمنح الطمأنينة يعني أنَّ الصورة اكتملتْ، دائمًا أردِّدُ مقولةً قديمةً: اسأل مجرِّبًا ولا تسأل طبيبًا، التجاربُ القاسيةُ تعلِّم أصحابَها تفاصيل لا تُكتب في الكتيبات، ولا تُختصر في الإعلانات، ولا تظهر في الصُّور البرَّاقة التي تسبقُ البيع.
ويبقى جانبٌ أراه لا يقلُّ أهميَّة عن الأنظمة والرقابة، وهو التوعية، لا ينبغي أنْ يبدأ الحديث عن هذا الملف بعد وقوع الضحيَّة، نحتاج إلى ثقافة مستمرَّة، تقدِّم للنَّاس المعرفة قبل الشِّراء، وتشرح لهم ماذا يفحصُونَ، وبمن يستعينُونَ، وما العلامات التي تستوجب التوقُّف قبل توقيع العقد.
الإعلامُ شريكٌ في هذه المهمَّة، كما أنَّ الجهات المختصَّة، والمعارض العقاريَّة، والمكاتب الهندسيَّة، جميعها قادرة على صناعة وعيٍ يسبق الخسارة، ويمنع وقوعها، بدلًا من الاكتفاء برصدها بعد حدوثها.
فالحقوقُ تعودُ إلى أصحابها مهما طال الزَّمنُ، لكن الأمن الحقيقي يبدأ قبل الشِّراء، عندما يصبحُ الوعي حاضرًا بقدر حضور الحلم.
* نقطة تحت السطر:
أقسَى َما فِي الغشِّ العقاريِّ أنَّ الضحيَّةَ لا تخسرُ منزلًا فقط، بلْ قدْ تخسرُ سنواتٍ من عمرِها وهِي تحاولُ استعادةَ حقٍّ كان من المفترضِ ألَّا تفقدهُ من البدايةِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store