حين يصلُ الأستاذُ الجامعيُّ إلى سنِّ التَّقاعد، يظنُّ البعضُ أنَّ دوره قد انتهى، وأنَّ الجامعة لم تعد بحاجةٍ إليه. لكنَّ الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك بكثير: العلمُ لا يتقاعَد، والخبرة لا تُطفَأ بزرٍّ إداريٍّ، والذَّاكرة الأكاديميَّة لا تُغلَق مثل ملفٍّ في درج. فالأستاذُ الذي قضى عقودًا في التَّعليم، والبحث، والإشراف لا يغادرُ الجامعة خفيفًا؛ بل يغادرُ محمَّلًا بتجربةٍ لا تُقدَّر بثمنٍ، وتجعل منه ثروةً يجب الحفاظُ عليها لا خسارتها.
من هنا تبدأ الفكرة الأساسيَّة: أنَّ العلمَ خبرةٌ تراكميَّةٌ، وأنَّ كلَّ جيل من الأساتذة يبنِي فوق ما تركه الجيل الذي سبقه. لذلك، فإنَّ خروج الأستاذِ المُتقاعدِ من المشهد دون آليَّات للاستفادة منه، يشبه فقدان فصلٍ كاملٍ من تاريخ الجامعة.
وعندما نتأمَّل مسيرة الأستاذِ الجامعيِّ، ندرك أنَّ سنواته الطويلة لم تكن مجرَّد محاضراتٍ تُلقَى، أو بحوث تُنشَر، بل كانت رحلة من الاحتكاك بالطُّلاب، والتَّعامل مع التحدِّيات، وتطوير المناهج، وبناء العلاقات العلميَّة. هذه الرحلة تجعل منه شاهدًا على تطوُّر الجامعة، وعلى تغيُّر اتِّجاهات المعرفة، وعلى تحوُّلات المجتمع نفسه. ولذلك، فإنَّ الاستفادة منه بعد التَّقاعد ليست مجاملةً، بل ضرورة مؤسسيَّة.
ومن هذا المنطلق، يمكنُ للجامعات أنْ تعيدَ صياغة علاقتها بأساتذتِها المتقاعدِينَ بطريقةٍ بسيطةٍ ومترابطةٍ. فبدلًا من أنْ يغادر الأستاذُ نهائيًّا، يمكن أنْ يبقَى جزءًا من الجامعةِ، ولكن بدورٍ مختلفٍ. وهنا تظهر فكرة إنشاء «مراكز الخبرة الأكاديميَّة»، وهي أماكن تجمعُ الأساتذة المتقاعدِينَ؛ ليقدِّمُوا خبراتِهم في تطوير المناهج، ومراجعة البرامج، وتقييم الخطط البحثيَّة.
وبشكلٍ متَّصلٍ، يمكن للجامعة أنْ تمنح الأستاذَ صفةَ «الأستاذ الزَّائر الدَّائم»، وهو دورٌ يسمح له بالمشاركة في الإشراف على الرَّسائل العلميَّة، وإلقاء محاضرات نوعيَّة، والمشاركة في المناقشات العلميَّة، دون أنْ يتحمَّل أعباء الوظيفة اليوميَّة.
ولأنَّ الخبرة لا تُنقَل فقط عبر المحاضرات، يمكن للجامعات أنْ تنشئ «عيادات الخبرة» داخل الكليَّات. في هذه العيادات، يمكثُ الأستاذُ المتقاعدُ ساعات محدَّدة ليستقبل الطلاب والباحثِينَ، ويقدِّم لهم التَّوجيه العلميَّ. هذه الفكرة تربط بين الأجيال، وتمنح الباحثِينَ الشَّباب فرصةً للاستفادة من عقلٍ خبيرٍ يقرأ مشروعاتهم بعمقٍ وهدوءٍ.
ومع تطوُّر التكنولوجيا، يمكن للجامعات أنْ تحفظ هذه الخبرات عبر منصَّات رقميَّة تُسجَّل فيها محاضرات الأساتذة المتقاعدِينَ، وحواراتهم، وقصصهم المهنيَّة. بهذه الطريقة، تصبح الخبرةُ متاحةً للأجيال القادمة، وتتحوَّل إلى أرشيفٍ حيٍّ يمكن الرجوع إليه في أي وقت.
كما يمكن الاستفادة من الأساتذة المتقاعدِينَ في لجان التَّحكيم، والاعتماد والجودة، والاعتماد بمختلف أصنافه، حيث تكون الخبرةُ الطويلةُ عنصرًا مهمًّا في تقييم البرامج، واتِّخاذ القرارات.
وإذا نظرنا إلى الفائدة المتبادلة، نجد أنَّ الجامعة تكسبُ استدامة معرفيَّة، وتقلِّل الفجوة بين الأجيال، وترفع جودة البحث والتَّعليم. وفي المقابل، يكسب الأستاذُ المتقاعدُ شعورًا بالانتماءِ، واستمرارًا للعطاءِ، واعترافًا بقيمتهِ العلميَّة. فالتقاعد لا يعنِي الانسحاب، بل يعني الانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ من العطاءِ الهادئ.
إنَّ الجامعات التي تدرك قيمةَ الخبرة المتراكمة، هي الجامعات التي تحافظُ على هويَّتها وتاريخَها. فالأستاذُ المتقاعدُ ليس مجرَّد فردٍ يغادر، بل هو فصلٌ من ذاكرة الجامعة، وكتابٌ من كتبِها الحيَّة. وإذا لم نحافظ على هذه الذَّاكرة، سنفقد كلَّ عامٍ مكتبةً بشريَّةً تغادر دون أنْ نقرأَ ما فيها.
وفي النهاية، يبقى السُّؤال: هل نريد جامعات تتجدَّد دون أنْ تفقد جذورَها، أم جامعات تبدأ من الصِّفر كلَّما غادر أحدُ أعمدتها؟ الإجابة واضحة: الحفاظ على الخبرةِ ليس خيارًا، بل ضرورة؛ لضمانِ مستقبلٍ أكاديميٍّ أكثر ثباتًا وعُمقًا.


