Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

قمة الرضا

A A
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
في زمن أصبح فيه الشَّكوى لُغةً يوميَّةً، والتذمُّر ردَّ فعلٍ سريعًا أمام أوَّل عقبة، يقفُ نبيُّ الله أيوب -عليهِ السَّلامُ- شامخًا كجبلٍ من الصَّبر، ومشعًّا كنجمٍ من الرِّضا؛ ليعلِّم البشريَّة درسًا خالدًا في حُسن الظنِّ بالله، والتَّسليم لأقدارهِ.
تأمَّلُوا هذه الآية العظيمة، فهي ليست مجرَّد دعاءٍ، بل مدرسة كاملة في الأدب مع الله. لم يقلْ أيوبُ -عليهِ السَّلامُ-: "يَا ربِّ، لماذَا ابتليتنِي؟" ولمْ يقلْ: "لقدْ طالَ البلاءُ"، ولمْ يعدِّد أوجاعَهُ وآلامَهُ وخسائرَهُ. بل اختصرَ كلَّ ذلك في كلماتٍ قليلةٍ تحملُ من الرِّضا ما تعجزُ عنه المجلداتُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. إخبارٌ بالحالِ دون اعتراضٍ، ووصفٌ للواقعِ دون تذمُّرٍ، واعترافٌ بالألمِ دون فقدان للأملِ.
ثمَّ يأتي الجزءُ الأجملُ والأعظمُ: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فبدل أنْ ينشغل بالضُّر، انشغل برحمةِ الله. وبدلَ أنْ يحدِّق في حجم الابتلاء، نظرَ إلى سعة الرَّحمة. وبدل أنْ يتحدَّث عن سنوات الألم، تحدَّث عن ربٍّ كريمٍ لا تضيعُ عنده الدَّعواتُ. إنَّها قمَّة الرِّضا التي تجعل المؤمنَ يرى يد الرحمة خلف كلِّ محنة، ويرى الحكمة خلف كلِّ تأخيرٍ، ويرى العطاء مختبئًا أحيانًا داخل ثوبِ البلاءِ. ولعلَّ أجملَ ما في قصَّة أيوب -عليهِ السَّلامُ- أنَّ البلاء لم يكن عابرًا.. فَقَدْ فَقَدَِ الصحَّة، والمالَ، والأهلَ، وطالت سنواتُ الابتلاءِ، ومع ذلك بقي قلبُه عامرًا بالإيمان، ولسانُه رطبًا بالذِّكر، وروحه معلَّقة بربِّ العالمِين.
فالرِّضا لا يعني ألَّا نتألَّم، بل أنْ نتألَّم ونحنُ نثقُ بالله. ولا يعني ألَّا نبكي، بل أنْ نبكي وقلوبنا مطمئنة إلى حكمته. ولا يعني ألَّا ندعو برفع البلاء، بل أنْ ندعو ونحن موقنُون أنَّ اختيار الله لنا خيرٌ من اختيارنا لأنفسنا.
وفي حياتنا اليوميَّة تمرُّ بنا ابتلاءاتٌ متنوِّعةٌ.. مرضٌ يطول، أو رزقٌ يتأخَّر، أو حلمٌ يتعثَّر، أو فقدٌ يؤلم القلب. وهنا يتجلَّى الفرقُ بين مَن ينظر إلى الحدث بعين الدنيا، ومَن ينظر إليه بعين الإيمان. فالأوَّل يرى المصيبة نهاية الطريق، أمَّا الثاني فيراها محطَّة نحو فرجٍ أعظمَ وأجرٍ أكبرَ.
لقد علَّمنا أيوبُ -عليهِ السَّلامُ- أنَّ الرِّضا ليس استسلامًا سلبيًّا، بل قوة روحيَّة هائلة تمنح الإنسان القدرة على مواصلة السَّير مهما اشتدَّت العواصفُ. وأنَّ المؤمنَ الحقَّ لا يُقَاس بثباتهِ في الرَّخاء، بل بثقته بربه ساعة البلاءِ. وحين بلغ أيوبُ -عليهِ السَّلامُ- قمَّة الرِّضا، جاءهُ الفرجُ من حيث لا يحتسب، فاستجاب اللهُ له، وكشف ما به من ضُرٍّ، وعوَّضه خيرًا ممَّا فَقَدَ، ليبقى الدرسُ خالدًا عبر الزَّمان: إنَّ الفرجَ قد يتأخَّر، لكنَّه لا يضيعُ. وإنَّ الرَّحمة قد تحجبُ عن أبصارنا لحكمةٍ، لكنَّها لا تغيبُ عن حياتنا. وإنَّ اللهَ إذَا أحبَّ عبدًا ابتلاهُ، وإذَا رَضِيَ عنهُ اصطفَاهُ، وإذَا صبرَ العبدُ وَرَضِيَ، فتحَ اللهُ له من أبوابِ الخيرِ ما لم يكنْ يتخيَّل.
فطُوبَى لمَن قالَ عندَ الشدَّةِ كمَا قالَ أيوبُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
فهذه الكلماتُ ليست دعاءً فحسب، بل هي عنوانٌ لأعلى مراتب الإيمان، وأسمَى درجاتِ اليقين، وأبهى صور الرِّضا بالله ربًّا ومدبِّرًا وحكيمًا ورحيمًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store