تتزين بيوت البلدات القديمة، في جزيرة دارين وتاروت بالمنطقة الشرقية، بالزخارف والنقوش الفنية والتصميم العمراني الذي يعكس الأبعاد المهنية والجمالية والثقافية لأهالي الجزيرة، والمتمثلة بمهن الزراعة واستخراج اللؤلؤ من قاع البحر وصيد الأسماك والروبيان.
وتتميز البيوت فيها أنها تبنى من أحجار الجص المستخرج من قاع البحر، إلى جانب ما تتميز به من نقش على الأبواب والشبابيك والجدران بزخارف متنوعة تعبر عن الحياة التجارية والاجتماعية بين الأهالي والقيم والعادات وتراثها العريق.
وعن التنوع في الزخارف الجصية أوضح "البنعلي" أنها تعكس مستوى الإبداع لدى الحرفيين، إذ تشير هذه النقوش إلى مجتمع آمن ومزدهر اقتصاديًا ويولي الجمال والفن أهمية في حياته اليومية، وتتجاوز كونها مجرد تزيين معماري فحسب، بل لغة بصرية تروي قصص البحارة والمزارعين والتجار، وتجسد قيم الترحيب والضيافة التي عُرف بها أهالي الجزيرة، كما أن نقش الآيات القرآنية الكريمة يبرز التمسك بالدين الإسلامية ويعبر عن الهوية الثقافية التي تمزج الارتباط بالبيئة والمهارة الحرفية المتوارثة عبر الأجيال.
وأفاد أن البنائيين الأوائل اعتمدوا على "حجر الفروش" أو ما يسمى بالحجر الجيري الذي يُستخرج من قاع البحر ويتميز بصلابته وقدرته على العزل الحراري، وهو الأمر الذي جعله مثاليًا لمناخ المنطقة، ويستخدم كذلك كمادة أساسية للربط والتلييس والزخرفة، إضافة إلى استخدام جذوع النخيل في بناء الأسقف بطريقة هندسية تعكس فهمًا عميقًا لخصائص المواد الطبيعية وكيفية توظيفها لبناء المنازل والقلاع التي صمدت لقرون، مبينًا أن هذا التناغم بين البيئة البحرية والعمارة يمنح بيوت البلدات القديمة في الجزيرة طابعًا فريدًا ومستدامًا.
ويحمل تصميم الأقواس في المباني رموزًا ثقافية واجتماعية عميقة، إذ ترمز الأقواس إلى الانفتاح والترحيب، وتُستخدم لتوفير التهوية والإضاءة الطبيعية بطريقة هندسية جمالية تتناسب مع المناخ الحار، في حين أن الأبواب الخشبية الضخمة المزينة بالمسامير الكبيرة والنقوش الدقيقة، تشير إلى مكانة الأسرة وقوتها الاقتصادية، وتُعد واجهة تعبر عن كرم الضيافة، فيما تعكس دقة النحت والزخرفة مهارة النجارين المحليين، وتُخلد ذاكرة المكان وأناقة الحرفة التي توارثتها الأجيال.
ويأتي تطوير البلدات القديمة في مدن ومحافظات المملكة، ومنها جزيرة دارين وتاروت بهدف الارتقاء بجودة الحياة، وتعزيز الجانب السياحي والاقتصادي، مع الحفاظ على الإرث التاريخي والثقافي العريق للجزيرة، وإحياء لذاكرة وطنية تمثل شواهد حية على حضارات عريقة تعاقبت على المنطقة منذ القدم، وتتجلى أهمية التطوير من خلال التوجه التنموي الشامل إلى تحويل المواقع الأثرية المملكة إلى وجهات سياحية وتراثية عالمية، تسهم في تنويع مصادر الدخل المحلي وتوفير فرص عمل لأبناء المنطقة.
وتأتي مبادرات ترميم واجهة قصر دارين التراثية وتأهيل البلدة المحيطة به، بهدف إيجاد توازن فريد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والحفاظ على الهوية العمرانية الفريدة مع توفير بنية تحتية حديثة ومرافق سياحية ترتقي بجودة الحياة وتجعل من الجزيرة أيقونة للسياحة الثقافية والبيئية في المنطقة.
من جهتها أكدت أمانة الشرقية أنها تولي البلدات القديمة اهتمامًا كبيرًا بالحفاظ على الموروثات القديمة باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية والثقافية للمملكة، مشيرة إلى تنفيذ مشاريع تطويرية تراعي حماية العناصر التراثية والمحافظة على الطابع العمراني الأصيل للمواقع التاريخية بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة وتعزيز ارتباط المجتمع المحلي بتاريخ المنطقة وإرثها الحضاري.
وأفادت الأمانة أنها تعمل على التهيئة المعمارية المتوافقة مع هوية العمارة السعودية عبر تنفيذ مشاريع تطوير البلدات القديمة تعتمد على منهجية متكاملة تراعي تطبيق مبادئ العمارة السعودية الأصيلة والاشتراطات العمرانية التي تحافظ على الهوية المحلية للمكان من خلال استخدام العناصر المعمارية المستوحاة من البيئة والتراث العمراني للمنطقة الشرقية وإعادة تأهيل المباني والساحات العامة بما يتوافق مع النسيج العمراني التاريخي وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وأبانت أنها تعمل على استكمال مشاريع التطوير والتأهيل الحضري للبلدات التاريخية، حيث تشمل الخطط المستقبلية تطوير المسارات التراثية، وإبراز المباني والمواقع ذات القيمة التاريخية، وتحسين البيئة العمرانية المحيطة بها وتوفير مرافق وخدمات تدعم تجربة الزوار إضافة إلى تشجيع مشاركة المجتمع المحلي في المحافظة على الموروث الثقافي وإحيائه من خلال الأنشطة والفعاليات المختلفة، وتنشيط الحرف والصناعات التقليدية وتحفيز رواد الأعمال للاستثمار في الأنشطة الثقافية والسياحية بما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ورفع جودة الحياة.


