Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
منى يوسف حمدان

حين يتحول تعليم القرآن إلى صناعة أثر مستدام

A A
في زمن تتسارع فيه مؤشرات التنمية،
لم يعد النَّجاح يُقَاس بعدد البرامج المنفَّذة، أو الفعاليات المُقامة، وإنِّما بقدرة المؤسَّسات على صناعة الإنسان، وتحويل المعرفة إلى سلوك، والقيم إلى أثر مُستدام. ومن هذا المنظور تتجاوز برامج تعليم القرآن الكريم مفهومها التقليدي؛ لتصبح أحد أهم الاستثمارات الوطنيَّة في بناء رأس المال البشريِّ، وتعزيز الهويَّة وترسيخ منظومة القيم.
ويأتي حفل «حصاد الإنجاز.. ومسيرة سند وارتقاء» الذي تنظِّمه مقارئ الشيخ سليمان بن عبدالمحسن أبانمي، التابعة لجمعيَّة التحبير للقرآن وعلومه بالمدينة المنوَّرة؛ ليقدِّم نموذجًا عمليًّا لهذا التحوُّل؛ فهو ليس مجرَّد مناسبة لتكريم حافظات القرآن الكريم، أو الاحتفاء بالمجازات بالسَّند، بل محطَّة سنويَّة تستعرض أثر مشروع تعليميٍّ متكامل امتدَّ لسنوات، وأثمر مخرجات علميَّة وتربويَّة وإنسانيَّة تعكس قيمة الاستثمار في تعليم كتاب الله.
لقد أثبت القطاع غير الربحي في المملكة خلال السنوات الأخيرة، قدرته على تقديم مبادرات نوعيَّة تتجاوز العمل الخيريَّ التقليديَّ إلى بناء نماذج مؤسسيَّة مُستدامة، وهو ما تنسجم معه تجربة جمعيَّة التحبير للقرآن وعلومه، التي استطاعت أنْ تبني منظومة تعليميَّة تجمع بين أصالة السَّند، وجودة التأهيل، والاستفادة من التقنيات الحديثة، حتى أصبحت برامجها تصل إلى مستفيدات من داخل المملكة وخارجها، مؤكِّدة أنَّ رسالة القرآن لا تحدُّها الجغرافيا عندما تتوافر الرُّؤية والإدارة والكفاءة.
وإذا كانت التنمية الحقيقيَّة تبدأ من الإنسان، فإنَّ تعليم القرآن يمثِّل أحد أكثر الاستثمارات استدامةً؛ لأنَّه يبني الإنسان من الداخل، ويغرس فيه منظومةً متكاملةً من القيم والانضباط والمسؤوليَّة والإتقان. ولهذا فإنَّ تخريج حافظة، أو مجازة بالسَّند لا يمثِّل إنجازًا فرديًّا فحسب، بل هو مكسب للمجتمع بأكمله؛ لأن الأثر يمتدُّ إلى الأسرة، وإلى الأجيال اللاحقة، وإلى البيئة التعليميَّة والدعويَّة التي ستنقل إليها هذا العلم.
ومن اللافت في التجربة التي تقدِّمها مقارئ الشيخ سليمان أبانمي أنَّها لم تكتفِ بالحفاظ على أصالة التعليم القرآنيِّ، بل عملت على تطوير أدواته، وتنويع برامجه، وتوسيع دائرة الشَّراكات، وإشراك العمل التطوعيِّ في صناعة النَّجاح، بما يعكس نُضجًا مؤسسيًّا يتوافق مع مستهدَفات رُؤية المملكة 2030 في رفع مساهمة القطاع غير الربحيِّ، وتنمية رأس المال البشريِّ، وتعزيز المسؤوليَّة المجتمعيَّة.
ولعلَّ أجمل ما في «حصاد الإنجاز» أنَّه لا يحتفي بالأرقام بقدر ما يحتفي بالرِّحلات، رحلات بدأت بحرف من كتاب الله، وانتهت بحافظات ومُجَازات ومعلِّمَات يحملنَ رسالة القرآن إلى غيرهنَّ. إنَّها قصَّة بناء هادئ لا تصنعه العناوين الكبيرة، بل تصنعه سنواتٌ من التَّعليم المُتقن، والإخلاص، والمتابعة، والشَّراكة، والعمل المؤسسي.
إنَّ المجتمعات التي تستثمر في تعليم القرآن، لا تبني حافظين للنصوص فحسب، وإنَّما تبني إنسانًا أكثر وعيًا، وأكثر التزامًا، وأكثر قدرة على الإسهام في تنمية وطنه. ولهذا فإنَّ الاحتفاء بمنجزات جمعيَّة التحبير للقرآن وعلومه هو احتفاء بقيمة وطنيَّة تتجاوز حدود الجمعيَّة نفسها؛ لأنَّها تؤكِّد أنَّ الاستثمار في القرآن الكريم يظلُّ من أعظم صور الاستثمار في الإنسان، وأنَّ كلَّ جهد يُبذل في تعليمه وإتقانه هو إسهامٌ مباشرٌ في بناء مجتمع أكثر رسوخًا في قيمه، وأكثر قدرةً على صناعة مستقبله.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store