بدأت الإجازة الصيفيَّة، ولكل فيها وجهته، وبرنامجه، وفي الإجازة تكثر المناسباتُ، ولقيا مَن فرَّقتهم (مطالب) الحياة، وأخذتهم مشاغل الدُّنيا، وعزَّ بينهم اللقاء، فجاءت الإجازة، لتردم ما نشأ عن ذلك من (فجوة)، ولتعيد الحياة إلى بدن علاقات اجتماعيَّة، يكفي ما يرتسم على الوجوه من بشائر الفرح، والسعادة، لدلالة على كم هو الغياب موجع، وكم هي الحياة بمشاغلها أخذت الأحبَّة عن بعضهم.
ومع ما يستدعيه اللقاء بعد طول غياب من ذكريات تشعل اللَّحظة بشعور فيَّاض من حرارته، وتزاحم العبارات، والعَبَرات، فإنَّ ذلك اللقاء مع ما فيه من بواعث الشوق، والحنين إلَّا أنَّه لا يمكن له أنْ يخفي ما طرأ على الأبدان من تغيُّرات أشبه ما تكون بعوامل التَّعرية، التي تنحت الصخر، فكيف بأبدان لا تخلو من هموم، ولواعج، ومواجع ارتسمت معالمها على الوجوه، وأظهرت شدَّة بأسها، وقوَّة أثرها على ما كان العهد به من تماسك الأبدان، ونضارة الوجوه.
وعليه فإنَّ ممَّا يجدر تجنُّب السؤال عن: لماذا كل هذا (الشَّيب)؟ وأعظم من ذلك سؤال الملامة بدري عليك الشَّيب باقي صغير! وكأنَّ (النذير) يأتي باختيار أو يستأذن بالظهور قبل أن يبدأ بسط نفوذه على حمى ما كان من حالك السواد.
كما أنَّ السؤال عن تغير ملامح الوجوه، التي تأتي كنتاجٍ طبيعيٍّ للتقدُّم في العمر، أو لأسباب لا يود الشخص الحديث عنها، ما يمثِّل تدخُّلًا في خصوصيَّات، كم هو جميل التزام الصمت معها، وإنْ كان ولا بُدَّ، فأنْ تقول للمريض أنت بخير، خيرٌ من أن تقول لمن لا يشكو شيئًا أنت مريضٌ!
ثمَّ في جانب الأسئلة (المقتحمة) لسياج الخصوصيَّات، التي لا يودُّ أحدٌ السؤال عنها، لأسباب خاصَّة به أو لأسباب ليس له دخل فيه: ليه ما توظَّفت؟ وليه ما تزوَّجت؟ وإلى متى وأنت عزوبيٌّ؟ وكم راتبك؟ وبكم بعت؟ وبكم اشتريت؟ وليه ما سافرت؟ ومتى تغيِّر سيَّارتك؟.. إلى آخر قائمة أسئلة الفضول، والتطفل، التي تمادى فيها البعض -بكلِّ أسفٍ- حد (المرض)؛
لنصل إلى أنَّ الإجازة الصيفيَّة فرصة ثمينة؛ لأخذ قسط من الرَّاحة، بعد أشهر من العناء، والتَّعب، كما أنَّها فرصة أثمن؛ لتجديد العلاقات الإنسانيَّة، وتحديث روابط الصِّلات الاجتماعيَّة، ولضمان أنْ تكون أنت ما ينشده، ويشتاق إلى لقائه الآخرُون، لا ما يحرصُون على تجنُّبه، ابتعد عمَّا يكدر صفو إجازتهم من نزعة فضول الأسئلة، وَعِلْمِي وَسَلامَتكُم.


