Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مغــــــرز

A A
المقصود هنا هو التَّوريط لدرجة تقيِّد الحركة، وربَّما الحياة بأكملها... وسبحان الله أنَّ بعض قصص الورطات التاريخيَّة تعيد نفسها كثيرًا... وأحد العناصر المشتركة لتلك القصص هي أنَّ أبطالها من «بيت المستعجل». وفي مجال التاريخ العسكريِّ بالذات نتج عن ذلك الاستعجال أكبر الورطات، وبعض من أسوأ المآسي الإنسانيَّة... بدأت بسوء تقدير التَّوقيت، والاستخفاف بالعديد من المتغيِّرات، وعدم قراءة التاريخ، وتسبَّبت في بعض من الكوارث المتكرِّرة، وإليكم بعض الأمثلة:
في عشيَّة الحرب العالميَّة الأُولى عندما حشدت الدُّول الأوروبيَّة العُظمَى قواتها على الحدود المُختلفة في أوروبا، كان الاستهتار بمخاطر الحرب منتشرًا بين حكام ألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وروسيا.. وفي مطلع أغسطس ١٩١٤ قبل قيام الحرب بأيَّام، كان الاعتقاد السَّائد أنَّ المناورات العسكريَّة ستكون منتهية قبل عيد «الكريسمس» في نهاية ديسمبر. يعني سيكون العسكر في بيوتهم لأحد أهم الأعياد لجميع الدول المتحاربة. طبعًا التاريخ يحكي قصة «تغريز» رهيبة لقيادات تلك الدول.. المناورات تحوَّلت إلى اشتباكات إقليميَّة... وتلك الاشتباكات تحوَّلت إلى الحرب العالميَّة الأولى التي استمرَّت لأكثر من أربع سنوات، وراح ضحيتها أكثر من خمسة عشر مليون إنسان.
وبعدها بربع قرن طبَّق هتلر آليَّة «الحرب الخاطفة»، من خلال ميكنة الحرب البريَّة، واستخدام الطيران كأداة فعَّالة للحرب. وتم تجربة تلك العمليَّات في مسرح عمليَّات الحرب الأهليَّة الإسبانيَّة، ثمَّ في الاحتلال السريع للنمسا، ثم لتشيكوسلوفاكيا عام 1938، ثمَّ الاحتلال الخاطف لبولندا عام 1939، وغزو بلجيكا، ثمَّ فرنسا وغيرها بسرعات مذهلة.. وساد الاعتقاد أنَّ تلك الإستراتيجيَّة ستكون سهلة التَّطبيق.. يعني كأنَّها «خلطة سريَّة» لوجبة سريعة. رأى هتلر أنَّ تلك الحرب الخاطفة يمكن تطبيقها على غزو الاتحاد السوفيتيِّ بأكمله في عمليَّة «بارباروسا».. وهنا «غرز» تغريزة رهيبة تسبَّبت في تقهقر القوات الألمانيَّة وضعفها فكانت بداية النهاية للنازيَّة.
وهناك أيضًا أمثلة على التغريز في سوء تقديرات الإمبراطوريَّة اليابانيَّة في ديسمبر ١٩٤١ لضرب القوات البحريَّة الأمريكيَّة في قاعدة «بيرل هاربر» في جزيرة هاواي الأمريكيَّة لفتح المجال للغزو السريع لآسيا تمهيدًا «لمرمشة» الصين، والفلبين، وماليزيا، وإندونيسيا، وسنغافورة، وغيرها. بدأت بالنجاح، ولكن القيادة اليابانيَّة «غرزت» ولم تنتهِ معاناتها إلَّا بانفجار القنبلتَين النوويَّتَين في هيروشيما وناجازاكي.. وسبحان الله أنَّ بانتهاء الحرب العالميَّة الثانية لم تتغيَّر العقليَّات كثيرًا، فتحوَّلت العمليَّات العسكريَّة «السريعة» إلى صراعات دامت لعشرات السِّنين.. ومنها الصراع في كوريا لتقسمها.. ثمَّ جاء الانسحاب الفرنسي من فيتنام ودخول القوات الأمريكيَّة لسدِّ الفراغ، وغرزت هناك لحوالى عشرين سنة.. وهناك أيضًا غزو أفغانستان من الاتحاد السوفيتيِّ، وكان المتوقَّع أنْ يكون من العمليَّات السريعة النظيفة، ولكنَّها كانت تغريزة تاريخيَّة مُخزية.. ولم تكن التجربة واضحةً فرأينا التورُّط الأمريكي في أفغانستان بعدها بحوالى عشرين سنة.. وبعدها كان الدور على العراق الشقيق.
أمنيـــــــة
من أبسط الدروس التاريخيَّة المتكرِّرة هي أنَّ دخول الحروب ليست كالخروج منها.. ولكنَّها للأسف لا تطبق كما نشهد اليوم في حرب روسيا على أوكرانيا، وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
أتمنَّى آنْ تكون دروس الحروب واضحةً، وأنْ تؤخذ دروس التغريز بجديَّة، ومن لم يتعلَّم من تغريزات التَّاريخ، سيجد نفسه يومًا في مغرز لا يعرف كيف يخرج منه.. والله الهادي، وهو من وراء القصد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store