الشيخ الجليل أحمد عيسى المعصراوي - وهو عالم بارز في الدراسات القرآنية وعلوم الحديث وشيخ عموم المقارئ- يؤكد دوماً أن المال هو أدنى درجات الرزق، بينما العافية هي أعلى درجاته. وبعض أصحاب رؤوس الأموال الضخمة - وربما غيرهم- يظنون أن المال هو الأهم، وبه تحصل على العافية في أفضل مشافي العالم.
ويستشهد شيخنا المعصراوي قائلاً: «المال يشتري السرير ولا يشتري النوم، والمال يشتري الساعة ولا يشتري الزمن، المال يشتري الدواء ولا يشتري الشفاء». ويستشهد أيضاً بعدة أمثلة ومنها أن المال يشتري الطعام ولا يشتري الشهية، ليؤكد مجدداً أن المال هو أدنى درجات الرزق، والعافية هي أعلى درجات الرزق. ويضيف: بأن صلاح الأبناء هو أفضل الرزق، ورضا رب العالمين هو تمام الرزق.
ولا ينبغي أن ننسى في هذا المقام بأن الله وزّع الأرزاق بالعدل، ولم يوزعها بالتساوي، لأن العدل مبدأ أسمى من المساواة، وعلى سبيل المثال: أعطى الله لقمان عقلاً دون مال، وقد يُعطى المرء مالاً دون صحة، أو زوجة دون ولد، وما إلى ذلك، ولكن هنيئاً لمن يملك العقل والرأي والحكمة، (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) سورة البقرة- الآية 269.
ومن القصص الشهيرة في الزهد والورع، ما أورده البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اشترى رجل من رجل عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جَرَّة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرضَ ولم أبتَعْ منك الذهب. فقال الذي باعه الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما الى رجل فقال: ألكما ولدٌ؟، قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، فقال: أنكِحا الغلام الجارية وأنفِقا على أنفسهما منه، وتَصدَّقا.
الورع في هذه القصة شيء مذهل، من البائع والمشتري، ولهذا قيل إن الورع؛ ترك تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام.
ولابن تيمية رحمه الله قول: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة.
وما أجملَ أن يتعامل الناسُ فيما بينهم بالورع قبل أن يتعاملوا بالعقود، وهنيئاً لمن يحتكم إلى من أعطاه الله الحكمة والعقل والرأي السديد، وهي من درجات الرزق.


